
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
إنه لمن دواعي سرور المملكة المغربية واعتزازها استضافة المؤتمر الوزاري الإقليمي الثاني حول أمن الحدود، بعد انعقاد دورته الأولى بدولة ليبيا الشقيقة يومي 11 و12 مارس 2012.
ونحن إذ نرحب بكم ببلدكم الثاني، المغرب، نتمنى لكم مقاما طيبا، ولأشغال هذه الدورة كامل النجاح والتوفيق، حتى نتمكن من الخروج بقرارات وتوصيات تكون في مستوى التحديات التي تواجهها بلدان المنطقة.
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
يعقد المؤتمر الوزاري الإقليمي حول أمن الحدود اجتماعه الثاني في ظل ظرفية إقليمية ودولية دقيقة، تحمل في طياتها رهانات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، تستوجب منا التحلي بروح إيجابية وبناءة لتوطيد التعاون وتوثيق التنسيق قصد تعزيز أمن الحدود، بناء على رؤية واقعية وعقلانية، ومقاربة تضامنية وتكاملية.
فمنطقة شمال إفريقيا وفضاء الساحل والصحراء يواجهان اليوم تحديات معقدة ناتجة عن خلفيات جيوسياسية ومعضلات سوسيواقتصادية تتجاوز حدود الدول وإمكاناتها، مما أدى إلى تزايد التوترات السياسية وتنامي الإرهاب والجريمة المنظمة بكافة أشكالها.
كل هذه العوامل جعلت المنطقة مرتعا خصبا لنشوء وتطور الشبكات الخارجة عن القانون، من جماعات إرهابية وإجرامية عابرة للحدود، تعتمد في تمويل أنشطتها على الموارد المالية المتأتية من الاتجار غير المشروع في الأسلحة والمخدرات والبشر، مما زاد من حدة أزمات دول المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يشكل مؤتمرنا هذا، حلقة أساسية في مسار البحث الدؤوب، عن السبل المثلى للإجابة عن إشكالات الوضع الأمني وحالة عدم الاستقرار التي تمر منها المنطقة، ويحتم علينا، بالتالي، التحلي بروح المسؤولية والصراحة والموضوعية لتقييم حصيلة التجارب السابقة بإنجازاتها وإخفاقاتها، وتحديد العوائق، والتوجه نحو وضع الحلول والآليات الضرورية، لتحقيق الأمن والاستقرار في إطار من التناسق والتكامل.
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
لقد اعتمد المؤتمر الوزاري الإقليمي الأول لأمن الحدود، الذي احتضنته العاصمة الليبية طرابلس، مفهوم الحدود الآمنة بصورة متكاملة، وتبنى بعدا إقليميا جامعا يشجع التنسيق الثنائي بين البلدان المعنية، ويتفاعل فيها فضاء الساحل والصحراء مع محيطه المغاربي، بتنسيق مع القوى الدولية الوازنة.
كما تضمنت “خطة عمل طرابلس” الصادرة عن المؤتمر تشخيصا وتحليلا مشتركا للمخاطر الأمنية على المستويين الوطني والإقليمي، والأسباب التي تقف وراءها، و سبل معالجتها، من خلال تعزيز الحوار وتبادل الخبرات والمعلومات وتكثيف التنسيق العملياتي في مجال أمن الحدود، وبذلك نجح المؤتمر في التأسيس لاستراتيجيه أمنية إقليمية مشتركة.
غير أنه إذا كانت “خطة عمل طرابلس” قد وضعت إطارا مرجعيا للتعاون الأمني بين بلدان المنطقة، فإنها تبقى في حاجة إلى متابعة وتنفيذ، من خلال خارطة طريق واضحة المعالم تضمن التفعيل الأمثل للإمكانات المتاحة، وتعزز الترابط والتعاون على كافة المستويات لمواجهة التحديات الأمنية التي زادت وتيرتها في المنطقة، و باتت تشكل تهديدا لأمن وسيادة جميع دولها.
ومن هنا، يتطلع مؤتمر الرباط، في معالجته لإشكاليات أمن الحدود، لتبني نهج عملي يقوم على مقاربتين سياسية وعملياتية، تكمل كل منهما الأخرى، وفق برامج واضحة المعالم، تعتمد على آليات مرنة للتنفيذ والمتابعة، وعلى إشراك الساكنة المحلية في تدبير الحدود، بما يمكن من إعطاء مضمون ملموس ومندمج للتعاون يستجيب لانشغالات شعوب المنطقة في مجال الأمن والاستقرار، ولتطلعاتها نحو الرقي والازدهار.
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
يعد المؤتمر الوزاري الإقليمي الثاني حول أمن الحدود، الذي يعقد في صيغة جديدة وبمشاركة الشركاء الإقليميين والدوليين، مناسبة لتقييم “خطة عمل طرابلس” وبحث سبل تفعيلها، في إطار رؤية مستقبلية تستند إلى المرجعيات والإستراتيجيات المندمجة الإقليمية والدولية في مجال مكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود، وآخرها مؤتمر الأمم المتحدة حول مراقبة الحدود والتعاون بين دول الساحل ودول اتحاد المغرب العربي، المنعقد بالرباط في مارس 2013، ومقررات مجلس الأمن حول مالي، وتوصيات وزراء داخلية مجموعة 5+5، ووزراء داخلية دول اتحاد المغرب العربي، المنعقدين على التوالي بالجزائر وبالرباط في أبريل 2013.
إن دول المنطقة لا تفتقر إلى الإرادة السياسية عندما يتعلق الأمر بتأمين حدودها، ولكنها تواجه صعوبات تتعلق أساسا بنقص الإمكانيات والافتقار إلى الخبرات والآليات التكنولوجية الحديثة الكفيلة بضمان مراقبة فعالة لهذه الحدود أمام اختراقات الجماعات الإرهابية ومهربي البشر والمخدرات والبضائع.
ودورنا في رفع هذه التحديات المشتركة والرهانات المتقاطعة، يتمثل في إيجاد حلول عملية واستباقية، تتضافر في بلورتها جهود كل الدول من خلال وضع أهداف التنمية المستدامة و الأمن الجماعي في صلب سياساتها الوطنية وشراكاتها الإقليمية.
فالأمر يتعلق برفع تحد كبير، يقتضي من شركائنا في الدول المتقدمة وفي المنظمات الدولية تقاسم المسؤولية والوفاء بالتزاماتهم فيما يتعلق بتمويل التنمية، وتقديم الخبرات والمواكبة وإسداء المشورة، وذلك من منطلق أن الأمن والاستقرار والتنمية وحقوق الإنسان كل لا يتجزأ، يكمل بعضهما البعض.
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
إن المغرب، يعتقد جازما بأن تحقيق أمن الحدود يستوجب تفعيل العلاقات مع دول الجوار والشركاء الإقليميين والدوليين في إطار حوار سياسي منتظم ومنفتح وإيجابي.
ومن هنا، فإن المغرب، الذي يعمل على تطوير علاقاته الثنائية مع دول المغرب الكبير، وخاصة مع دولة ليبيا، يؤكد من جديد، على استعداده تقاسم تجربته معها في كل المجالات، بما في ذلك بناء المؤسسات والقدرات والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، حتى يتمكن هذا البلد الشقيق من تجاوز التحديات التي تفرضها المرحلة الانتقالية، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي في الأمن والاستقرار والتنمية والديمقراطية.
وفي هذا الإطار، يعرب المغرب عن انفتاحه الكامل على بحث سبل إرساء تعاون ثلاثي مع الدول التي ترغب في مواكبة جهود التنمية في ليبيا، على غرار تجربته الرائدة في مجال التعاون الثلاثي، والتي تضم كلا من اليابان والاتحاد الأوروبي من جهة، والمغرب وعدد من الدول الإفريقية، من جهة أخرى.
وعلى مستوى اتحاد المغرب العربي، يسعى المغرب إلى تفعيل هذا الاتحاد ودعم مساره بوصفه خيارا استراتيجيا لا محيد عنه. وفي هذا الصدد، لابد من التذكير بأن جلالة الملك محمد السادس، أيده الله دعا غير ما مرة إلى انبثاق “نظام مغاربي جديد يشكل، بدوله الخمس، محركا حقيقيا للوحدة العربية، وفاعلا رئيسيا في التعاون الأورو- متوسطي وفي الاستقرار والأمن في منطقة الساحل والصحراء، والاندماج الإفريقي.”.
فالاندماج المغاربي لم يعد ضرورة مغاربية فحسب، بل أصبح مطلبا إقليميا ودوليا تفرضه تأثيرات العولمة وإكراهات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، والتحديات الأمنية في المنطقة، التي أصبحت مواجهتها تتجاوز المقاربة القطرية نحو مقاربة اندماجية تنتصر لمقاربة التكتلات الإقليمية القوية والمتوازنة ، وتقطع مع مظاهر التشرذم و التجزيء التي لا تخدم المصالح الاستراتيجية لبلدان المنطقة اليوم وغدا.
ولا شك أن إقامة شراكة فاعلة بين المنطقة المغاربية وفضاء الساحل والصحراء لدرء الأخطار التي تهدد الأمن والاستقرار باتت أمرا ملحا، كما أكدت على ذلك مقرارات مجلس الأمن، التي دعت إلى أخذ الروابط التاريخية والتداخل الجغرافي والديمغرافي والعرقي والروحي بين المنطقتين بعين الاعتبار.
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
إن المملكة المغربية جعلت من تحقيق التنمية ونصرة قضايا إفريقيا في إطار من الشراكة التضامنية المثمرة، هدفا استراتيجيا تعمل جاهدة على تحقيقه عبر تعزيز التعاون الثنائي مع الدول الإفريقية، التي تجمعها بها روابط روحية وتاريخية متجدرة، عززتها الزيارات الملكية لهذه الدول، بما تحمله من مشاريع ملموسة، تعطي الأولوية للتنمية البشرية وبناء القدرات.
وقد جدد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله في خطابه الأخير بمناسبة تخليد ذكرى المسيرة الخضراء التزام المغرب بقضايا القارة الإفريقية الأمنية والتنموية، و أكد أن المغرب، العضو المؤسس لمنظمة الوحدة الإفريقية، رغم أنه ليس عضوا بالاتحاد الإفريقي، إلا أنه “يعمل على تعزيز وتنويع علاقاته الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة مع دول القارة، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الهيئات والتجمعات الجهوية”.
وفي هذا الإطار، كانت المملكة المغربية سباقة، وفقا لالتزاماتها الإقليمية والدولية، إلى التفاعل بكل جدية وعقلانية، مع معضلة الأمن في منطقة الساحل والصحراء، استجابة لدعوة جلالته إلى “ضرورة التصدي للتهديدات الأمنية” بهذه المنطقة التي “أضحت فضاء لجماعات التطرف والإرهاب وتهريب المخدرات والاتجار في البشر بما لها من تداعيات وخيمة على تنمية واستقرار المنطقة”.
ومن هذا المنطلق، تدعو المملكة المغربية إلى اعتماد توجهات استراتيجية واضحة، بآليات دقيقة للتعاون، وبرامج براغماتية ناجعة، من شأنها تحقيق التنمية المنشودة التي ستعمل على تحصين الشباب من آفات التعصب والتطرف والانحراف.
وما دعم المغرب لجمهورية مالي في مواجهة عصابات التطرف والإرهاب إلا التزام منه بالإسهام في تطويق تداعيات الأزمة الداخلية والإقليمية بهذا البلد، بالاعتماد ليس فقط على المقاربة الأمنية، بل بتبني مجموعة من التدابير التنموية المتكاملة.
ولا شك أن مبادرة جلالة الملك، بتكوين 500 إمام مالي في المغرب خلال السنوات المقبلة، وكذا توفير الدعم اللازم لبرامج حكومة مالي في مجال التنمية البشرية وتكوين الأطر والبنيات التحتية الأساسية والصحية، مثال يحتذى به في هذا المجال.
أصحـاب المعالـي والسعـادة ،
السيـدات والسـادة،
ستواصل المملكة المغربية تحمل المسؤوليات المنوطة بها على الوجه الأكمل، سواء على الصعيد الثنائي إيمانا منها بقيم التضامن والتعاون، أو على المستوى الإقليمي باعتبارها شريكا يتوخى استتباب السلم والأمن في المنطقة، وذلك انطلاقا من منظورها للتعاون الأمني الإقليمي القائم على تلازم التنمية والأمن وتكامل الجهد القطري مع التنسيق الإقليمي والدولي.
وأملنا كبير في أن تكون مقررات مؤتمر الرباط مساهمة إضافية في المجهود الإقليمي والدولي الآني والمستقبلي لمعالجة قضايا أمن الحدود من خلال برامج ملموسة وآليات عملية لتفعيل التعاون والتنسيق الأمني العملياتي، وتحيين الإطار القانوني المتعلق بمراقبة الحدود، وبناء وتعزيز قدرات الدول المعنية، وتبادل المعلومات والتجارب والخبرات .




