حظي إصلاح التعليم باهتمام كبير من قبل حكومة عزيز أخنوش، ويتضح جليا من خلال الوقوف على الحصيلة الحكومية المرحلية التي قدمها رئيس الحكومة أن هذه الأخيرة وضعت ورش إصلاح المدرسة العمومية في صدارة أولوياتها، عبر إطلاق حزمة من الإصلاحات العميقة والنوعية، بما يؤكد وفاءها لالتزاماتها الواردة في البرنامج الحكومي والمنبثقة عن تعهدات أحزابها خلال الاستحقاقات الانتخابية، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي اعتبر التعليم مدخلا أساسيا للاستثمار في أجيال المستقبل.
بداية، ينبغي التذكير بأن الحكومة ورثت وضعية صعبة للغاية في هذا القطاع، نتيجة تراكمات امتدت لسنوات طويلة، أفرزت تعثرات واضحة لدى المتعلمين، خاصة على مستوى الكفايات الأساسية، وهو ما كرس وضعية غير مطمئنة تجلت في الترتيب المتدني للمدرسة المغربية ضمن مؤشرات جودة التعليم عالميا، سواء من حيث الهدر المدرسي أو ضعف التحكم في التعلمات الأساس عند استكمال التعليم الابتدائي.
لذلك كان التحدي كبيرا أمام هذا الواقع، مما استدعى إطلاق إصلاحات حقيقية ومهيكلة، تنطلق من مرتكزات واضحة وخارطة طريق دقيقة المعالم بهدف إرساء مدرسة عمومية ذات جودة، تعزز تكافؤ الفرص وتكرس الإنصاف الاجتماعي والاقتصادي، وتسعى إلى إحداث أثر ملموس يمتد إلى داخل الفصل الدراسي.
وقد شكل تعميم التعليم الأولي نقطة انطلاق مركزية في هذا الإصلاح، حيث عملت الحكومة على إدماجه ضمن قطاع التربية الوطنية في إطار هندسة حكومية منسجمة، باعتباره مدخلا حاسما لتحسين جودة التعلمات وتكافؤ الفرص بين الأطفال، وعاملا أساسيا في الحد من التكرار والهدر المدرسي، ورافعة لتوفير شروط النجاح في المسار الدراسي، وهو ما تُرجم ببلوغ نسبة تعميم تتجاوز 80 في المائة، في أفق استكمال التعميم الكلي خلال السنتين المقبلتين.
كما مثل مشروع “مدارس الريادة” خطوة كبرى نحو إحداث تحول فعلي في أداء المؤسسات التعليمية، من خلال تمكينها من الوسائل الرقمية والبيداغوجية الضرورية، واعتماد مقاربة جديدة تقوم على معالجة التعثرات وفق المستوى الحقيقي لكل تلميذ في القراءة والكتابة والرياضيات، مع إرساء آليات دقيقة ومنتظمة لتشخيص التعلمات، بما يعزز التفاعل التربوي ويرفع من فرص النجاح، وهي مقاربة بدأت تعطي مؤشرات إيجابية ملموسة حسب عدد من التقارير الوطنية والدولية.
وفي موازاة ذلك، تم إيلاء أهمية بالغة لتعزيز مكانة الأطر التربوية، عبر ترسيخ مناخ الثقة مع مختلف فئاتها، وتحسين وضعيتها المادية والاعتبارية وفتح آفاق واعدة للترقي المهني، بما يسهم في إرساء بيئة تعليمية مستقرة ومحفزة، مع تصحيح عدد من الاختلالات التي طبعت وضعيات بعض الهيئات المهنية.
وفي هذا الإطار، تمت معالجة إشكالات التأهيل المهني لأطر هيئة التدريس، التي عانت من عدم الاستقرار خلال مراحل سابقة، ومن اختلال في التوازن بين التكوين النظري والتطبيقي، حيث تم اعتماد مقاربة جديدة ترتكز على الانتقاء والتكوين الأساسي كمدخلين رئيسيين لتأهيل الموارد البشرية، عبر إرساء هندسة تكوين تمتد لخمس سنوات، بما يضمن اكتساب الكفايات التربوية والمهنية اللازمة، بالنظر إلى الدور الحاسم للأستاذ في الارتقاء بجودة التربية والتكوين.
وفي السياق ذاته، تم فتح عدد من الملفات التي ظلت عالقة لسنوات طويلة، إذ شكل النظام الأساسي الجديد الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية محطة مفصلية في هذا المسار، حيث ساهم في إعادة الاعتبار لمهنة التدريس، وتحسين الوضعية المادية والرمزية للأستاذ، ومعالجة عدد من القضايا التي ظلت عالقة لعقود، وعلى رأسها إنهاء ملف التعاقد بشكل كلي ونهائي.
فضلا عن زيادات مهمة وغير مسبوقة في الأجور، لا تقل عن 1500 درهم، إلى جانب تمكين أساتذة السلكين الابتدائي والإعدادي من الترقي خارج السلم، ومعالجة إشكالية “الزنزانة 10″، وفتح مباريات الترقية لفائدة الحاصلين على شهادة الماستر أو ما يعادلها، وتسوية وضعية الحاصلين على الدكتوراه، وإحداث إطار أستاذ باحث وأستاذ مبرز للتربية والتكوين، إضفافة لإحداث هيئة جديدة لمتصرفي التربية الوطنية، واعتماد نظام أساسي خاص بالأساتذة المبرزين.
إن هذه المكتسبات، بما تحمله من أبعاد مهنية وإنسانية، لا تُقاس فقط بالأرقام، بل تُلمس في تفاصيل الحياة اليومية داخل القسم، وتعكس إرادة واضحة لإنصاف نساء ورجال التعليم، وتؤكد وفاء الحكومة بالتزاماتها، وعزمها على المضي قدما في إصلاح عميق للمنظومة التربوية، رغم كلفته المالية المرتفعة التي بلغت مستويات قياسية قاربت 100 مليار درهم.
لكن التعليم في نهاية المطاف ليس مجرد ورش قطاعي، بل هو رهان مجتمعي بامتياز، إذ يظل الاستثمار فيه مهما بلغت كلفته، استثمارا في بناء الإنسان وتحقيق التنمية الشاملة. ومن داخل الفصل الدراسي، حيث تتشكل ملامح هذا التحول، تتجلى بوضوح مصداقية حكومة عزيز أخنوش في كسب رهان إصلاح المنظومة التعليمية، في أفق إرساء نموذج مدرسة عمومية منصفة وذات جودة، قادرة على تحقيق الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي لبناء أجيال الغد وصناعة مغرب المستقبل.




