بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس
السيد الوزير والسيد الوزير المنتدب المحترمين
زميلاتي وزملائي
ونحن نضع مشروع قانون المالية لسنة 2016 تحت منظار الفحص والدرس، نعتبر أن مهمتنا تكاد تكون استثنائية، لا بفعل مضامين المشروع، ولكن بالأجواء العامة المصاحبة، أجواء الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، التي تختتم العقد الرابع لنزاع ظالم فرض على بلادنا فرضا، وتفتتح في نفس الآن، وهذا هو الأهم، مرحلة جديدة في تاريخ بلادنا، انطلقت بالخطاب الملكي السامي بالمناسبة الذي ثبت، وجدد، وأكمل، قواعد اللعبة، حيث لن يستمر المغرب في ارتهان للظروف الجهوية والدولية والحسابات التي تخضع للمزاجية، بل سيمضي، بشكل نهائي، في تثبيت حقه الطبيعي مؤسساتيا وميدانيا، مع الإبقاء على بوابة الحكم الذاتي مشرعة إن كانت لدى الجيران قدرة، ولو في حدودها الدنيا، للنظر إلى المستقبل نظرة تستحضر مصلحة شعوب المنطقة.
إن هذه الانطلاقة القوية التي عبر عنها العاهل الكريم بلغة الوضوح والصرامة تجد ترجمتها الفورية في عملية البناء الضخمة التي تنطلق في الأقاليم الجنوبية، على خلفية انعطافة مؤسساتية كبرى تتمثل في التفعيل العملي للجهوية المتقدمة، التي تعطي تلك الأقاليم شرف السبق في تجسيد التحول النوعي الذي تدشنه الدولة المغربية على مستوى مؤسساتها، كما تثبت كذلك الانتماء الإفريقي لبلدنا وفتح الجسور الكبرى لتقوية هذا الانتماء ولتجذير الخيار الاستراتيجي المتمثل في التعاون جنوب – جنوب.
ولئن كان من الصعب تكثيف هذا التحول في بضعة سطور، فإننا في أعماقنا، كلنا بدون استثناء، نستشعر حجم اللحظة، وحجم المسؤولية المضاعفة التي علينا جميعا حملها بأمانة، وبإصرار، وكلنا موقنون أن الخصوم لن يصفقوا لنا، كما نحن موقنون أيضا أننا لا نحتاج لمن يصفق لنا.
السيدات والسادة؛
إن استحضارنا لهذا الإطار يأخذنا رأسا لقياس قدرتنا على رفع التحديات، وعلى هذا المستوى، وبعيدا عن كل نرجسية، يمكننا الإطمئنان لوتيرة الإنجازات المتتالية التي نحققها تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة، ففي الوقت الذي كان الكثيرون يراهنون قبل أربع سنوات على دخول بلدنا نفقا مظلما في الظروف التي نعاين نتائجها الكارثية على شعوب المنطقة، ها نحن هنا، نسجل وصولنا لمرحلة تجديد المؤسسات المتمخضة عن دستور 2011، من خلال الانتخابات الأخيرة التي كانت علامة نضج لا شك أننا نحسد عليها، بنفس الحجم الذي استطعنا طوال هذه الفترة من تحقيق إنجازات إصلاحية وتنموية كبرى على مستوى العمل الحكومي.
ورغم الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي رافقت نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي، والتي بلغت انعكاساتها حد التهديد بفقدان القرار السيادي المالي مع تفاقم الاختلالات سنة 2012، استطاعت الحكومة في نسختها الحالية وفي هذا المجال بالضبط من إعادة الأمور إلى نصابها بشكل تدريجي استجاب كليا للبرمجة التي تمت على المستويين الاقتصادي والمالي، الشيء الذي مكن بلادنا من استرجاع الثقة في قدراتها وجعل الشركاء ، داخليين وخارجيين، أكثر تجاوبا وأكثر استعدادا لتقوية وتمديد الشراكات مع بلادنا.
كما أن الإصلاحات الهيكلية المنجزة، أوالتي في طور الإنجاز، جعلت بلادنا تعبر منطقة الشك إلى رحابة اليقين، خاصة مع المجهود التنموي الضخم الذي لم يفتأ حتى في السنوات العجاف، لا على مستوى الاستثمار العمومي، ولا على مستوى تدعيم أسس النموذج التنموي، خاصة ما تعلق بالعمل على تدعيم العرض، من خلال استراتيجية التسريع الصناعي، التي تبقى مركزية بالنظر لكونها توفر شرط دخول المغرب نادي الدول الصاعدة.
هذا فضلا عن المجهودات الكبرى في الجانب الاجتماعي الذي يستحوذ سنويا على أزيد من نصف الميزانية العمومية، كل هذا مع تحقيق نتائج جد مشرفة على مستوى استعادة التوازنات المالية والماكرو اقتصادية.
لقد عاينا عن كثب مراحل تقليص عجز الميزانية من 7,2% سنة 2012 إلى 4,9 % سنة 2014 من الناتج الداخلي الخام، ومن المرتقب أن يتواصل هذا المنحى إلى نهاية سنة 2015 ليصل إلى 4,3%، وذلك في أفق تقليصه إلى 3,5 % سنة 2016.
كما تم تقليص عجز ميزان الأداءات من 9,5% سنة 2012 إلى أقل من 2,8% هذه السنة، مما ترتب عن ذلك تقليص الوتيرة السنوية لارتفاع معدل المديونية للخزينة إلى 1,9 نقطة من الناتج الداخلي الخام نهاية سنة 2014 ، مقابل ارتفاع سنوي بلغ 3,8 نقطة مابين 2009 و2013. حيث من المنتظر أن يستقر معدل المديونية خلال سنة 2015 ما دون 64% من الناتج الداخلي الخام، على أن يتجه في منحى تنازلي ابتداء من السنة المقبلة، إن شاء الله.
لهذا فاليوم نلاحظ تطورا للدينامية الاقتصادية العامة، وتحسنا للأداء الاقتصادي والمالي. وقد كان من نتائج ذلك الثقة التي حظيت بها بلادنا من لدن هيئات التصنيف الائتماني على المستوى الدولي.
إن هذا المسلسل من الإصلاحات الذي أشرت إليه، لا زال مستمرا، فبعض هذه الإصلاحات أنجز ودخل في حكم المعتاد، وبعضها الآخر يوجد في حلقاته الأخيرة، وبعضها في بداياته، وإصلاحات أخرى تنتظر دورها. لكن في المقابل وبالرغم من الجهود الدؤوبة في هذا الإطار، فإننا لن نقبل أن يتم التقليل من الإنجازات المحققة وتبخيس قيمة الإصلاحات التي تم إرساؤها.
إن هذه الإنجازات التي تنضاف لأخرى من قبيل ارتفاع تدفق الاستثمارات، وتراجع العجز التجاري، وارتفاع الموجودات الخارجية، ونمو الأنشطة الصناعية الأساسية وتطور المهن العالمية ، تشكل في مجملها مؤشرات دالة على الثقة المتنامية التي يحظى بها الاقتصاد الوطني لدى المستثمرين والممولين، ما يفتح آفاقا واعدة مع بوادر تعافي اقتصاديات منطقة اليورو وتنويع شركائنا وأسواقنا الخارجية.
هذا دون أن نغفل المجهودات الاستثنائية والمتميزة التي بذلتها الحكومة فيما يتعلق بتحسين توازن ميزان الصادرات والواردات في إطار مبادلات التجارة الخارجية. وكذا المخطط الواعد لتسريع التنمية الصناعية الذي سيترتب عنه خلق مناصب تصل إلى 500.000 منصب ، والرفع من مساهمات الصناعة في الناتج الداخلي الخام. هذه بعض ملامح النموذج التنموي المغربي، التي تعمل الحكومة جاهدة على بلورتها وتنزيلها على أرض الواقع.
أكان بإمكاننا أخواتي إخواني أن نبذل مجهودات استثنائية ومتميزة على المستوى الإقليمي والجهوي فيما يتعلق بشؤون الهجرة والمهاجرين لولا العزم الحكومي الجلي لتسطير إجراءات جريئة في هذا الإطار تتماشى مع المعاهدات الدولية وأصبحت موضوع نموذج يقتدى به على دول الجوار؟
وعليه، وانطلاقا مما سبق فإن مجهودات الحكومة وسعيها الدقيق إلى معالجة مختلف القضايا سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية تنفيذا لالتزاماتها وتعاقداتها ، تبقى واضحة ولا ينكرها أو يقلل من قيمتها إلا جاحد.
- فلولا استرجاع عافية ماليتنا والتوازنات الماكرواقتصادية ، أكان بإمكاننا تمويل الرميد رغم ما يشوبه من اختلالات، علينا الاجتهاد في تجاوزها ؟
- أكان بإمكاننا تمويل صندوق الدعم المخصص للأرامل ؟
- أكان بإمكاننا تعميم المنح للطلبة والزيادة فيها ؟
- أكان بإمكاننا تمويل المشاريع المهيكلة الكبرى بشكل عام ؟
إن هذه الحصيلة المختصرة تغنينا عن الخوض في التفاصيل والأرقام المتوفرة لدينا، لأن الأهم في النهاية هو قياس مدى نجاحنا في الرهان الحكومي ككل، وبالنسبة إلينا كفريق لحزب التجمع الوطني للأحرار، قياس مدى التزامنا بتنفيذ ما قدمناه كتصور عشية دخولنا الحكومة في الظروف المعلومة. وفي هذه النقطة بالذات يمكننا أن نعبر بكل اعتزاز أننا كنا في مستوى التزاماتنا، ما يجعلنا اليوم نعتبر انتماءنا لهذه الحكومة دليلا قاطعا على أننا كمغاربة، قادرون على تقديم نموذج لائتلاف حكومي ، أطرافه تتفق على الكثير وتختلف على الكثير أيضا، ولكنها قادرة على تدبير اللحظة بتجرد وبروح وطنية تستحق التنويه، وتجعل كل طرف في هذه الحكومة فخورا بالانتماء إليها والمساهمة في بناء هذه التجربة المتميزة.
السيد الرئيس
السيد الوزير والسيد الوزير المنتدب المحترمين
زميلاتي وزملائي
إن الإقرار بهذه الحقائق التي تؤكدها المعطيات المالية والاقتصادية والتنموية المترجمة في مشروع قانون المالية، لا يجب أن يجعلنا نغفل عن بعض السلبيات أو العثرات، فيكفي أن الأسابيع الأخيرة عرفت بعض المشاحنات، التي قد تكون طبيعية، كما قد تعكس بعض المبالغات أحيانا، وأخص هنا الجدل المرتبط بالانتخابات والتحالفات.
لقد نجحت الأغلبية في تنزيل نسيج الأغلبية الحكومية من خلال تحالفات ميدانية في الغالب الأعم، أما ما عذا ذلك من حالات كانت موضوع جدال، فإنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تغطي على النجاح المنجز، وهي في كل الأحوال طبيعية بالنظر للرهانات المحلية ولطبيعة النخب والتداخلات المعروفة، تستوي أمامها كل الأحزاب وكل الفاعلين.
إلا أن ما ليس طبيعيا ولا منتظرا هو أن يذهب التشنج بالبعض إلى درجة استحداث قاموس سياسي دخيل على تجربتنا المغربية، حيث لا يتورع في إطلاق أوصاف الخيانة وما شابهها من كلمات لا رتقى إلى مستوى عطاءات ونجاحات إئتلافنا الحكومي، ولا تقتصر خطورتها على مضمونها المباشر فقط، بل تؤشر إلى نوع من النظر المحدود والضيق للأمور. والحال أن الساحة السياسية الوطنية لم يسبق أن شهدت تقسيما من هذا النوع، ولا ينبغي لها أن تشهد تقسيما من هذا النوع ، وأن تأسيس تقاليد على هذا النحو قد يكون انتكاسا لمنطق التفاعل الديمقراطي الذي أمضى المغاربة عقودا في تأسيسه.
وعلى نفس المنوال لا يمكن أن يستسيغ عقل ، كيف يعمد أشخاص متشبعون بقيم الاختلاف والنضج السياسي، إلى استعمال لغة هجومية تمس بحرمة وكرامة الّأشخاص، كما حدث مع وزيرين في الحكومة، فقط لحدوث خلاف حول بند في الميزانية، توجد آليات لحله في كل الأحوال وبكل نضج ومسؤولية، وقد تبين عمليا وبالملموس ذلك النضج السياسي الجماعي للأغلبية الحكومية، عندما تجاوزت هذا الإشكال واستشرفت المستقبل ، وهي بعملها هذا ضيعت الفرصة على كل من يريد أن يصطاد في الماء العكر (فسقط في أيديهم).
إن التجمع الوطني للأحرار المتشبع بقيم الوفاء والإخلاص لتعاقداته والتزاماته، فبقدر دفاعه عن هذه القيم التي لا تستقيم السياسة بدونها، ولا يستقيم تدبير الشأن العام، إلا بالتمسك بفلسفتها وأهدافها، سيبقى مدافعا عن حق الاختلاف، ملتزما بفضيلة الحوار والتشاور والوفاء.
إن تذكيري بهذه الأمور ليس من أجل توجيه اللوم أو المحاسبة، بل فقط لأقول إن هذه التجربة الحكومية التي نفتخر بإنجازاتها، عليها أن تكون كذلك تجربة لتثبيت الرصيد الديمقراطي على كافة الأصعدة، وتحديدا على مستوى تدبير الاختلاف بالأبعاد الحضارية، خاصة وأن لا أحد بإمكانه ادعاء الطهر المطلق.
كما أن تعريجي على هذا الجانب هو عطف على ما استهللت به كلمتي هذه، في ما يتصل بالرهانات الكبرى التي ولجتها بلادنا بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، والتي تتطلب منا أن نسمو في ممارستنا وأن نركز على التحديات بروح ديمقراطية عالية، لأن هذه الروح هي بالذات التي جعلت البلاد في خانة التميز الذي يحسدنا عليه الكثيرون.
السيدات والسادة،
أمامنا سنة أو أقل، سيكون علينا فيها التفعيل العملي للمخطط الضخم لتنمية العالم القروي والمناطق الهامشية؛ ومخطط تنمية الأقاليم الجنوبية؛ ووضع مشروع الجهوية المتقدمة على سكة التنفيذ العملي بكل تعقيداته؛ واستكمال القوانين التنظيمية وفي طليعتها ورش الأمازيغية؛ والإصلاحات الخاصة بإصلاح التقاعد؛ وإصلاح التعليم الذي نأسف للقول بأنه لم يتقدم كثيرا طيلة هذه المدة،…. كل هذا وغيره في ظرف وجيز، فضلا عن كون الموعد الانتخابي سيكون لديه تأثيره، وبالتالي علينا، أغلبية ومعارضة، العمل بشكل مضاعف، والتقيد بالتوجيهات الملكية السامية، خاصة حين أوصى جلالته بالتوافق في القضايا الكبرى، والحال أن أمامنا فعلا قضايا كبرى، علينا التصدي لها في محيط إقليمي ودولي يتطلب الحذر الدائم أمام مخاطر الإرهاب والتطرف وإرادات الخراب.
ولا يسعنا ونحن نذكر بهذه المخاطر إلا أن نشيد مجددا بالاختيارات الملكية الحكيمة، وننوه بالساهرين على أمن الوطن، من قوات مسلحة ملكية، ودرك ملكي، وأمن وطني وقوات مساعدة، وإدارة ترابية ووقاية مدنية.
أخواتي إخواني ،
- وانطلاقا من موقعنا كمكون أساسي للأغلبية الحكومية ؛
- وانطلاقا من قناعاتنا بإيجابيات ومضامين مشروع القانون المالي الحالي ، فإننا في التجمع الوطني للأحرار نعتبر مسألة التصويت عليه بإيجاب هي عملية محسومة وتلقائية.
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون ” صدق الله العظيم.
نطلب الله عز وجل أن يوفقنا في ما نحن بصدده. والسلام عليكم ورحمة الله.