السيد الرئيس المحترم،
السيد رئيس الحكومة المحترم،
السيدات والسادة الوزراء المحترمون،
السيدات والسادة النواب المحترمون
يسعدني أن أتدخل باسم فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب قصد التعبير عن رأينا فيما يخص مشروع قانون المالية لسنة 2014، هذا المشروع الذي يعتبر بالنسبة إلينا نقطة مفصلية تحمل كل تعقيدات الانتقال من المعارضة إلى الأغلبية، وتعكس طموحنا في تقديم خدمة لبلدنا وشعبنا رغم خصوصية اللحظة التي لا تقدم لنا هامشا كافيا لترجمة توجهاتنا السياسية.
فعلا، لقد جاء مشروع قانون المالية في ظروف خاصة جدا. لا فائدة من الدخول في التفاصيل؛ لا فائدة من الاستمرار في الاهتمام بالماضي؛ نحن هنا من أجل النظر للمستقبل، لأن ما نقوم به ينعكس على حياة 34 مليون مغربي. لذلك فنحن لسنا متحمسين لأي تعامل نرجسي يضع الحزب، كيفما كان الحزب، قبل الوطن والمواطن.غير أن تركيز النقاش المبالغ فيه ربما، على بعض الجوانب التي صاحبت تشكيل الأغلبية الجديدة وانعكست على مناقشات مشروع قانون المالية، ربما يستدعي وضع بعض النقط على الحروف.
ففيما يتعلق بمسألة البرنامج، يجب التذكير أنناجئنا للحكومة في وقت لم يسعفنا للإشراف الكلي على تهيء مشروع قانونالمالية، فوجدنا أنفسنا أمام خيارين: إما حسم الأمور البرنامجية وبالتالي تأجيل صدور قانونالماليةلعدة شهور، ما يعني تكرار تجربة 2012، وإما إعطاء الأسبقية لقانون الماليةوتأجيل الأمور الأخرى رغم كل ما يمكن أن يقال؛ ورغم أنه سيتحول لورقة ضدنا في النقاش السياسي. طبعا نحن انتقدنا في السابق تأجيل قانون المالي لسنة 2012 ولن نقبل أن يتكرر ذلك مع قانون المالية لسنة 2014، وبالتالي فضلنا أن نتعرض نحن حزب التجمع الوطني للأحرار للهجوم عوض أن يتعرض المغرب للانتقاد من طرف شركائنا في الخارج.
لا بد هنا من العودة إلى مفاوضات تشكيل الأغلبية الجديدة، ففي الوقت الذي كان الرأي العام منشغلا بما ستفضي إليه المشاورات، كان التجمع الوطني للأحرار يتابع عن كثب مواقف المؤسسات المالية الدولية وحلفاء المغرب وشركاؤه. فكان القلق والتخوف يسود اوساط المال والاعمال بحيث كان يعتقد غالب الفاعلين الاقتصاديين أن المغرب لا يتوفر على القدرة الذاتية لمواجهة الأزمة الحكومية وبالتالي فهو لا يتوفر على القدرة لبلورة مشروع قانون المالية. غير أن إعادة تشكيل الأغلبية الجديدة ووضع قانون المالية في آجاله الدستورية بدد كل المخاوف؛ بل دفع وكالات التنقيط الدولية إلى تأكيد تصنيفها للاقتصاد الوطني مع تقديم التهاني للحكومة على قدرة مؤسسات المغرب في مواجهة التحديات كيفما كان نوعها، عكس ما حصل لبعض الاقتصاديات الجد متقدمة في الشمال.
ولكن هل هذا يعني غيابنا الكلي كطرف سياسي في الأغلبية من مشروع قانون المالية؟
لقد تخللت المفاوضات حول إعادة تشكيل الأغلبية الجديدة نقاشات عميقة، وكانت محور تناولات إعلامية كثيرة، سواء تعلق الأمربهيكلة الحكومة، أو بأولويات العمل الحكومي، أو بأساليب اشتغال الأغلبية، ولو أن جزءا من النخبة آثر التغاضي عن كل ذلك وحصر اهتمامه بالجانب الشكلي وبتوزيع المناصب الحكومية لا غير، تماشيا دائما مع عقلية الوزيعة.
لكن ما علاقة النقاشات بمشروع قانون المالية؟ العلاقة تمثلت في أنه، توازيا مع المشاورات التي كانت جارية، تم القيام بعمل كبير ومشكور لاستحضار عدد من الأولويات أثناء صياغة المشروع، أي أن السادة رئيس الحكومة ووزير المالية بالنيابة آنذاك والوزير المنتدب، أخذوا بعين الاعتبار عصارة النقاش الذي كان رائجا، ما وفر نوعا من الالتقاء ولو في منتصف الطريق، هو بكل تأكيد غير كاف لترجمة تصور معين بحذافيره، ولكنه في نفس الآن لا ينفي حضوره كليا، هذا علما أنه لا يجب نسيان كوننا نعمل من داخل أغلبية، أي من داخل حد أدنى، أي من داخل توافق.
أما عن كون حزب التجمع الوطني للأحرار الذي أنتمي إليه سبق وصوت ضد البرنامج الحكومي، فيما يأتي مشروع قانون المالية وفق نفس البرنامج، فالأمر لا يعكس أي تناقض، مع أنني أعترف أنه ليس وضعا مريحا. فما الذي حدث؟ الأمور بسيطة جدا:
– أولا لم نعط الأسبقية للذات كما قلت، ولا أعتقد أن أي حزب في الوضع الذي كان فيه التجمع الوطني للأحرار، سيرضى لنفسه أن يشترط أخذ الوقت الكافي لترتيب وضعه في الأغلبية على حساب مصالح البلاد. في هذه الحالة سنكون أمام سؤال حاسم: من يخدم من؟ الحزب في خدمة الوطن أم الوطن في خدمة الحزب؟
– ثانيا: نحن لم نرفض البرنامج الحكومي بسبب الاختيارات، أي لم نختلف مع الاختيارات، بالعكس كانت هناك استمرارية على مستوى الاختيارات، نحن رفضنا الأسلوب والمنهجية، قلنا وقتها إنه برنامج يفتقر للدقة، ويفتقر للأولويات، يفتقر لجدولة زمنية وتعوزه كيفية رصد الامكانيات لمباشرة الاصلاحات؛ ولهذا السبب بالضبط قلنا بلغة المعارضة: إنه تصريح وليس برنامجا. ما معنى هذا؟ معناه أن لا وجود لاختلاف من حيث الجوهر، ولكن هناك اختلاف من حيث الهيكلة التي تحدد مسار التنفيذ. لذلك فنحن اليوم لسنا في حاجة إلى برنامج جديد، ولكننا في حاجة إلى تحديد الأولويات، وتدقيق جدولة التنفيذ، وتدقيق مصادر التمويل، الأمر الذي سيسمح بتوفر الانسجام على مستوى مداخل الأجرأة والتنفيذ التي من شأنها حل الخلاف الذي كان وراء تصويتنا إبان تنصيب الحكومة. ولعل مشروع قانون المالية خطوة أولى في هذا الاتجاه، وستأتي الخطوة الثانية مباشرة بعد مرحلة القانون المالي من خلال عمل داخل صفوف الأغلبية لضبط هذه الأمور، حيث تم الاتفاق ما بين مكونات الأغلبية على التصدي للمهمة والخروج بالخلاصات العملية الضرورية؛
– ثالثا: بالتأكيد سيكون الجميع قد لمس عبر الوثائق المقدمة من طرف الحكومة وعبر المناقشات المستفيضة وتوضيحات السيد الوزير والسيد الوزير المنتدب، أن هناك إعادة تأطير للأولويات recadrage من داخل البرنامج الحكومي، ولكن كذلك من توجيهات صاحب الجلالة. فلا يجب أن ننسى أن الفصل 49 من الدستور يضع من ضمن الأمور التي يتداول فيها المجلس الوزاري التوجهات العامة لمشروع قانون المالية.
إذن الأمور واضحة، فبالنسبة إلينا لا نعتبر الأمر بمثابة نقص، بل بالعكس هذا دليل الالتزام والجدية والانخراط في الأغلبية بهاجس واحد هو أداء المهام الحكومية على أكمل وجه. من هنا فالأهم في مقاربتنا كبرلمانيين لمشروع قانون المالية هو مناقشة المحتوى وليس الشكل فقط.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فنحن ننطلق من رؤية واضحة: نعتبر المشروع واقعيا، نعتبره مشروعا لإنعاش واستعادة الثقة، الثقة في مقومات الاقتصاد الوطني، الثقة في الفاعلين الاقتصاديين، الثقة في قدرة مؤسساتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية بالخصوص؛ ثم مشروعا لتقوية الأمل، الأمل في المستقبل.
طبعا لا يتعلق الأمر هنا بمتمنيات، نعترف أن هناك صعوبات وإكراهات وتحديات، نعترف أن هناك محيط إقليمي ودولي متقلب، نعترف أن هناك تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. لكن حينما نقول مشروع واقعي فإننا واعون بأن الأهداف المسطرة هي أهداف في المتناول، سواء من منطلق المؤهلات الوطنية والتحسن الهام الذي تعرفه معظم المؤشرات في الفترة الأخيرة، وسواء من منطلق التعافي التدريجي، ولو المحدود، للاقتصاد العالمي رغم التراجع الذي عرفته منطقة الأورو في الفصل الثالث من هذه السنة، وسواء اعتمادا على ما نتوخاه من الاختيارات العملية التي سننهجها، في العلاقة مع الداخل، وكذلك في العلاقة مع الخارج عبر تنويع الشركاء واقتحام فضاءات جديدة.
كذلك هو مشروع للثقة لأن مجمل الإجراءات المتضمنة (والتي تعززت بالتعديلات التي تفضلت الحكومة بقبولها، والتي سأتطرق إليها بالتفصيل لاحقا) تتكاثف لدعم الثقة، ثقة المستثمر والفاعل الوطني من خلال الاهتمام بالمقاولة ومزيد من تحسين محيط الأعمال خصوصا بعد التقدم الذي شهد به تقرير “دوينغبيزنيس” Doing business
– ثقة المستثمر الأجنبي عبر الانطباع الذي تقدمه السياسة الاستثمارية للدولة (أكبر مستثمر وطني على الاطلاق) وعبر الانخراط في سياسة الاستثمارات التشاركية؛
– ثقة عبر الاستثمار الإيجابي لمؤهلات المغرب بلد المؤسسات، بلد الاستقرار السياسي والاجتماعي، بلد قادر على لعب أدوار الربط والمصاحبة في العلاقات شمال-جنوب،بلد القاطرة في العلاقات جنوب-جنوب؛ ولنطرح السؤال، جميعا: كم يمثل استثمار مؤهلاتنا الوطنية غير الاقتصادية في نمونا؟ هذا السؤال الجوهري: كم يمثل استثمار مؤهلاتنا الوطنية غير الاقتصادية في نمونا؟وهل عملنا بما يكفي من الجدية ومن الرؤية الاستباقية من أجل توظيف عامل الاستقرار والتميز المغربي ضمن الفضاء الإقليمي من أجل التنمية وتحقيق اختراقات في العلاقات الاقتصادية مع الخارج؟ هل يمكن أن نخدم قضيتنا الوطنية الأولى في الخارج دون قوة الارتباط بالمصالح الاقتصادية والمالية المشتركة والمتبادلة؟ نحن لسنا البلد الذي يختلق صراعات خارجية ليوجه اهتمام مواطنيه بعيدا عن تآكل الدولة داخليا؛ نحن بلد يعمل وينتج ولسنا مجرد جهاز هضمي لابتلاع ريع البترول والغاز؛ نحن بلد لدينا مؤسسات بجذور عميقة في التاريخ، وبالتالي علينا أن نفكر بمنطق شمولية مؤهلاتنا، وهو أحد المصادر الأساسية للثقة.ولا يمكن أن يظل قانون المالية الآلية الوحيدة التي تقدم كل الأجوبة.
طبعا لا يمكن تحقيق ذلك دون تموقع استراتيجي براغماتي وذكي، المغرب هو البلد الأكثر تأهيلا في المنطقة للعب دور ريادي على مستوى الفضاء الإفريقي والفضاء الأورو متوسطي. لا يمكن أن نترك هذه المؤهلات تضيع. لقد لاحظنا في المدة الأخيرة التجسيد السياسي لهذا التوجه، وهو من ضمن العوامل التي أزعجت بعض الجيران إلى درجة أن بعض قادتها بدؤوا يفقدون صوابهم. والمطلوب الآن، ليس من الحكومة فقط، بل من الجميع، وفي مقدمة الجميع نحن ممثلو الأمة، ترسيخ وتوسيع وتشبيك هذا الحضور السياسي والانتقال به للحضور الاقتصادي والمالي.
مشروع قانون المالية هو كذلك مشروع للأمل لأنه يرفض منطق التقشف ويعتمد الترشيد، مشروع للأمل لأنه يضع التوازنات الاجتماعية في مقدمة الاهتمامات، مشروع للأمل يطمح لتحقيق توازٍ بين النمو وبين استعادة مستويات مقبولة للتوازنات المالية.
هذه السمات الثلاث ليست انطباعات معزولة، هي في الواقع تجليات لرؤية قائمة تعكس تصورا للنموذج الاقتصادي، وهنا لا بد من شيء من التدقيق ومن الوضوح:
أولا، بالنسبة للنموذج الاقتصادي ليست هناك وصفات جاهزة ولا سحرية، لا في المغرب ولا خارج المغرب، جميع الأطياف السياسية واجهت هذا السؤال، لأننا جميعا تحملنا مسؤولية تدبير قطاع الاقتصاد والمالية، (الاتحاد الاشتراكي، التجمع الوطني للأحرار، العدالة والتنمية، الاستقلال) بالإضافة إلى باقي الأحزاب الأخرى التي شاركت من باب المسؤولية المشتركة والتضامن الحكومي بانخراطها في الحكومات المتعاقبة.
وكانت بدايات تأسيس النموذج التنموي في أواخر القرن الماضي حيث عملت الحكومات المتعاقبة منذ التناوب التوافقي وبفضل حكمة وتبصر جلالة الملك محمد السادس نصره الله، عملت على التخلص من إرث الماضي وتبني سياسات عمومية جديدة شملت مختلف مناحي الحياة. ولن أتطرق في هذا المقام إلى المنظومة السياسية والحقوقية والدينية رغم أهميتها في توفير شروط الاستقرار، مقتنعا معكم أن ما راكمه المغرب في المجالات الثلاث من تقدم لا يحتاج إلى التأكيد. غير أنني سأكون مضطرا للوقوف مطولا عند المنظومتين الاقتصادية والاجتماعية ما دمنا بصدد دراسة مشروع قانون المالية.
ولا أريد من هذه المحاور المركزة أن أذكر بالمجهودات التي قام بها المغرب في تحديد النموذج التنموي وفي الميدان الاقتصادي من أجل التغني بالمنجزات بقدر ما أريد نفض الغبار عن حقائق يجهلها البعض ويتجاهلها البعض الآخر، والتي تؤكد منطق الاستمرارية كما يفهمه التجمع الوطني للأحرار. لقد اختار المغرب مراجعة سياساته الاقتصادية بشكل جدري، فتخلت الدولة عن تدخلها المباشر في إدارة الانتاج والتسويق، ومنح الامتيازات المالية، وتوفير الحماية الجمركية، وتغطية مخاطر الصرف، والولوج المباشر للصفقات العمومية، والاعفاءات الجبائية، وتقنين الاسعار، واحتكار بعض الصناعات التحويلية؛ لتمر الدولة إلى نظام تنافسي منفتح متكل على ذاته عبر إصلاحات هيكلية عميقة فرضها التقويم الهيكلي الذي كاد المغرب أن يصاب بسببه بسكتة قلبية.
وإذا كانت الدولة قد اختارت بعد الاستقلال مسار منح الامتيازات لمجموعات اقتصادية مغربية قصد خلق رأسمال وطني قادر على تعويض الرأسمال الاجنبي واستكمال الاستقلال السياسي بالحصول على الاستقلال الاقتصادي، فلم يكن أحد يظن مع مرور الزمن أن هذا الاختيار سيصبح مصدرا لاقتصاد الريع والفساد والاغتناء غير المشروع، بل معرقلا للدورة الاقتصادية ككل.
ووعيا من الحكومات المتعاقبة على أن المسألة المحورية في مقاربة كافة المجالات ومواكبتها تكمن أساسا في السياسة الاقتصادية للحكومة، وببساطة أنه لا يمكن المراهنة على بلوغ الأهداف الكبرى لسياسة الدولة إذا لم تتوفر سياسة اقتصادية مستندة إلى رؤية مندمجة وبعيدة المدى، قادرة على إنتاج الثروة الضرورية لتمويل الإنجازات في مختلف المجالات. وفي هذا الصدد، عمدت مختلف الحكومات على خلق شروط المنافسة الحرة، عبر تكوين العنصر البشري، وإعادة تنظيم السوق المالي وتحصينه، وتطوير بنيات الاستقبال وإحداث مناطق صناعية ذكية، وإصلاح المنظومات التجارية والصناعية وتطوير المنظومة الجبائية، وتنويع الاسواق عبر إبرام اتفاقيات التبادل الحر مع أكبر الأسواق الموجودة على الاطلاق، ورفع الحواجز الجمركية لتوفير المواد الاولية بتكلفة مضبوطة، ومراجعة منظومة اللوجستيك وإعادة تنظيم الاسواق الداخلية عبر خلق مجموعة من مؤسسات الرقابة والتقنين، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية ذات الطابع الحيوي والاستراتيجي.
وبهذا تتحول الدولة من مجرد فاعل اقتصادي مباشر لتعلب دورها العصري في مراقبة وتقنين ودعم تنافسية مختلف الاسواق الاقتصادية والمحافظة على توازنها؛ وبهذا أيضا، تكون الدولة قد رفعت هيمنتها على الاقتصاد لتتخلى عنه لصالح القطاع الخاص، واحتفظت فقط بالقطاعات الحيوية وذات البعد الاستراتيجي. وفي المقابل، بادرت الحكومات، وبتوجيهات ملكية سامية، إلى وضع مجموعة من الاستراتيجيات القطاعية لمواكبة السياسة الاقتصادية الجديدة: أوراش المغرب الكبرى والتي همت تحديث الشبكات الكبرى للبنيات التحتية والفوقية من طرق سيارة، وشبكة طرقية، ومواصلات، وطاقة، وطاقة متجددة، وموانئ، ومطارات؛ تلاها بعد ذلك وضع استراتيجيات قطاعية انصبت أساسا على النهوض بالقطاعات الانتاجية شملت السياحة، والصناعات التحويلية الكيميائية والتركيبية والصناعة التقليدية، والفلاحة والزراعة وغيرها.
إن التذكير بهذا الجزء البسيط من التاريخ هو فقط من أجل إبراز أهمية الإطار السياسي العام المحدد للاختيارات المهيكِلة للمجال الاقتصادي على وجه التحديد، وباعتبار كذلك أن الأرضية الاقتصادية هي المنطلق الذي تترتب عليه باقي السياسات العمومية، في المجال الاجتماعي كما في المجالات الثقافية والرياضية والمجتمعية عموما. ومن هذا المنطلق بالذات، نود في فريق التجمع الوطني للأحرار أن نثير انتباه الجميع إلى ضرورة الاستمرار في تحصين النموذج التنموي المغربي والحرص على عدم العودة إلى ما قبل مغرب السكتة القلبية.
ومن هذا المنطلق أيضا، وبكل موضوعية، أريد ان أتقدم للحكومة بالتحية والتقدير الكبيرين على جرأتها وشجاعتها، كباقي الحكومات المسؤولة في البلدان المجاورة، بمباشرة اختلالات الميزانية العامة للدولة قصد الحد من نزيف المالية العمومية واستعادة عافيتها. وبدون البحث عن المبررات، فقد اختارت الحكومة المسلك المؤلم لما اعتمدت نظام المقايسة في تحديد أسعار الطاقة، وتجميد جزء من ميزانية الاستثمار العمومي، وإعادة هيكلة بنية المالية العمومية في حدود طاقات المغرب الانتاجية بوضع سقف لنسب العجز المالي والميزانياتي، وحصر نسب التضخم في حدودها المعقولة، في عالم تتقلب فيه أسعار المواد الأولية والمواد الأساسية بسرعة تفوق سرعة الضوء. ولا أعتقد أن التوفيق بين هذه المعادلات المعقدة، والحرص على عدم المخاطرة بمستقبل المغرب واستقلالية قراره السيادي سيكون للحكومة هوامش أوسع في تحديد خيارات وحلول أخرى.
وبهذه المعادلات المعقدة وبنفس المنطق المسؤول أيضا، قدمت الحكومة مشروع قانون مالية، بمرتكز رئيسي عنوانه الكبير هو التوفيق بين الدفع في تحريك العجلة الاقتصادية والحرص على إعادة التوازن للمالية العمومية، مستعملة ومستغلة كل المقومات الاقتصادية والمكتسبات السياسية والاجتماعية.
وانطلاقا من الزوايا التي ذكرت تأتي قراءتنا لمشروع قانون المالية لسنة 2014 والتي تعتمد بالأساس على المحددات والمرجعيات والسياقات التي ساهمت في بلورة مضامينه وتحديد أهدافه، متوخين الموضوعية قصد المستطاع، ومستحضرين الصعوبات والاكراهات، دون أن ننسى التحديات. فكيف يمكن لحكومة تتعرض للانتقاد والتقييم حتى قبل تشكيلها، تواجه من جهة ضغط وتقلبات أسعار المواد الأولية مع ارتفاع فاتورة الواردات وآثارها على تفاقم عجز الميزان التجاري، ونقص حاد في احتياطات العملة الصعبة مع تراجع الادخار الوطني وآثاره على السيولة، وضغط المتطلبات الاجتماعية من جهة أخرى. كيف يمكن لهذه الحكومة أو غيرها أن تقدم أجوبة سريعة لهذه الاشكالات. ورغم ذلك فقد صمدت الحكومة أمام كل هذه العواصف لأنها أولا حكومة جلالة الملك، وثانيا حكومة المملكة المغربية، وثالثا حكومة الاستثناء والتميز المغربي. ولأنها كذلك فقد استطاعت وضع مشروع قانون المالية في آجاله الدستورية وتستحق التنويه ليس فقط من وكالات التنقيط الدولية ولكن من الشعب المغربي قبل ذلك.
السيد الرئيس المحترم،
السيد رئيس الحكومة المحترم،
السيدات والسادة الوزراء المحترمون،
السيدات والسادة النواب المحترمون
بعد هذه النظرة الموجزة عن الحيثيات السياسية والاختيارات التي تحكمت في إعداد مشروع قانون المالية، أود الانتقال إلى بعض الملاحظات التفصيلية، محرما على نفسي الخوض في القضايا الهامشية التي لن تجدي نفعا، بقدر ما أود أن أركز هنا على أن توفير شروط الاقلاع الاقتصادي ودعم النمو ومواجهة آثار الأزمة المالية والاقتصادية، والتطرق إلى مواطن القوة في مشروع القانون المالي كما صادقت عليه لجنة المالية والشؤون الاقتصادية لمجلسنا الموقر، مركزا في الوقت ذاته على الجديد في قانون المالية الذي وصف بكونه مشروع جد عادي.
فإلى جانب الاهتمام بالتوازنات المالية وحرص الحكومة الشديد على المحافظة على استقلالية القرار السيادي في هذا المجال، أولت الحكومة اهتماما خاصا لمختلف القطاعات الاجتماعية عبر توزيع 56 في المائة من الميزانية العامة على الوزارات المهتمة بالشؤون الاجتماعية. وقد تناول السادة الوزراء في مختلف اللجان النيابية بالتفصيل السياسات العمومية الهادفة إلى تعزيز التماسك الاجتماعي والتقليص من حدة الفقر والهشاشة، والارتقاء بالمرفق العمومي، وتحسين الخدمة العمومية، وتسهيل الولوج إليها وتعميمها على كافة المواطنين وفي كافة أنحاء التراب الوطني وبدون تمييز.
ورغم الجهود المبذولة في الميدان الاجتماعي على مدى سنين عديدة، والامكانات التي خصصتها الحكومات سابقاوفي مشروع قانون المالية المقبل، يظل حجم الخصاص والطلب مرتفعا، وتزداد الهوة اتساعا بين ما هو مطلوب وما هو متوفر. وفي هذا الصدد، يطرح فريق التجمع الوطني للأحرار سؤالا جوهريا حول مدى نجاعة السياسات العمومية المعتمدة، ومدى نجاعة مقاربات التدبير والتنفيذ؟إن القطاعات الاجتماعية تلتهم سنويا ما يزيد على نصف مخصصات الميزانية العامة، الأمر الذي ينفي إشكالية إعادة توزيع الثروات، ويلزمنا جميعا بمراجعة كل المقاربات الاجتماعية بحثا عن الفعالية ورأفة بالضعفاء والمهمشين، وعملا بخطب وتوجيهات جلالة الملك في هذا المضمار.
وإن سمحتم دعوني أعود إلى مستجدات مشروع قانون المالية والتي أحددها في أربعة إصلاحات هيكلية كبرى، سأتناولها بالتتالي وهي: مدخل لإصلاح الضريبة على القيمة المضافة، إصلاح منظومة نقل المسافرين بين المدن عبر الحافلات والطاكسي الكبير، تضريب القطاع الفلاحي وأخيرا الاهتمام بالمقاول الذاتي.
- 1. إصلاح منظومة الضريبة على القيمة المضافة:
- 2. إصلاح منظومة المسافرين عبر الطرق
- 3. تضريب القطاع الفلاحي
- 4. المقاولة الذاتية




