أكد المستشار البرلماني سعيد شاكر، باسم فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد قضية بيئية، بل أصبحت تحديًا استراتيجيًا يمس الأمن المائي والغذائي والطاقي للمملكة، ويؤثر بشكل مباشر في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، داعيا إلى مواصلة تطوير السياسات العمومية وتعزيز الحكامة لضمان جاهزية مختلف المتدخلين في مواجهة هذه التحديات.
وجاء ذلك خلال الجلسة السنوية المخصصة لمناقشة وتقييم السياسات العمومية، في إطار مقتضيات الفصل 101 من الدستور، والتي خُصصت هذه السنة لمناقشة تقرير اللجنة الموضوعاتية المؤقتة حول “آثار التغيرات المناخية على السياسات العمومية ومدى جاهزية المتدخلين”.
واستهل شاكر مداخلته بالإشادة بالعمل الذي أنجزته اللجنة الموضوعاتية، معتبراً أن التقرير يمثل مرجعًا علميًا ومنهجيًا رصد بدقة مكامن القوة والاختلالات في السياسة المناخية الوطنية، كما قدم توصيات عملية من شأنها الارتقاء بتدبير هذا الورش الاستراتيجي، مع مراعاة الخصوصية المغربية والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية.
وأكد أن قضية المناخ ظلت حاضرة باستمرار ضمن أولويات فريق التجمع الوطني للأحرار، من خلال مختلف الأسئلة والمبادرات البرلمانية، انسجامًا مع الرؤية الملكية التي جعلت المغرب في طليعة الدول المنخرطة في مواجهة التغيرات المناخية، عبر إدماج البعد البيئي والتنمية المستدامة في مختلف السياسات العمومية.
وأشار المستشار البرلماني إلى أن التقرير أبرز المكتسبات المهمة التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الدولي، من خلال احتضان مؤتمر الأطراف للمناخ (COP22) والمساهمة في تعزيز الالتزام الدولي بالعمل المناخي، أو على المستوى الوطني، عبر اعتماد استراتيجية وطنية مندمجة، وتطوير ترسانة قانونية متقدمة تشمل القانون الإطار للتنمية المستدامة، وقانون الماء، وقوانين الطاقات المتجددة والتقييم البيئي.
واعتبر شاكر أن الحكومة الحالية نجحت في تحويل هذه التوجهات الاستراتيجية إلى مشاريع ميدانية ملموسة، من خلال رفع الاستثمارات في قطاع الماء لمواجهة توالي سنوات الجفاف، وتسريع إنجاز مشاريع تحلية مياه البحر، وإنجاز مشروع الطريق السيار للماء للربط بين الأحواض المائية، إلى جانب توسيع برامج السقي الموضعي وعصرنة شبكات الري وترشيد استعمال الموارد المائية، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز الأمن المائي للمملكة.
وفي المجال البيئي، أبرز المتحدث النتائج التي تحققها استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030″، والتي تهدف إلى إعادة تأهيل الغطاء الغابوي، والحد من التصحر، وحماية التنوع البيولوجي، مع خلق فرص شغل خضراء لفائدة الساكنة المحلية، خاصة بالمناطق الجبلية والواحات.
كما توقف عند ما وصفه بالتقدم الكبير الذي حققته المملكة في مجال الانتقال الطاقي، مشيرًا إلى تسارع إنجاز مشاريع الطاقات الشمسية والريحية والمائية، وإطلاق عرض المغرب للهيدروجين الأخضر، وهو ما يعزز مكانة المملكة كوجهة استثمارية رائدة في الاقتصاد منخفض الكربون، ويقربها من تحقيق هدف بلوغ 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة في أفق سنة 2030.
وفي المقابل، شدد سعيد شاكر على أن التقرير لم يقتصر على إبراز جوانب النجاح، بل وقف أيضًا عند عدد من الإكراهات التي ما تزال تحد من نجاعة السياسات العمومية، وعلى رأسها ضعف التنسيق بين القطاعات، وصعوبة ترجمة المفاهيم الاستراتيجية، مثل العدالة المناخية والمرونة المناخية، إلى مؤشرات تنفيذية موحدة وقابلة للقياس، داعيًا إلى تعزيز التقائية السياسات العمومية وتمكين الجماعات الترابية من الوسائل المالية والبشرية والتقنية اللازمة لتنزيل مخططاتها المناخية.
واقترح في هذا السياق إحداث إطار وطني مؤسساتي ملزم للحكامة المناخية، يضمن وحدة الرؤية وتكامل تدخلات مختلف الفاعلين، مع تعزيز دور الجامعات ومؤسسات البحث العلمي في مواكبة السياسات المناخية، والاستفادة من خبرات المجتمع المدني في تطوير أدوات التخطيط والتقييم، خاصة من خلال إدماج المؤشرات المناخية ضمن إعداد الميزانيات والبرامج التنموية.
ودعا كذلك إلى توسيع برامج النجاعة الطاقية في البنايات والإدارات وقطاع النقل، واعتماد معايير بناء صديقة للبيئة تقلص استهلاك الطاقة، إلى جانب مواكبة المقاولات الوطنية لتقليص بصمتها الكربونية وتعزيز تنافسيتها في الأسواق الدولية.
وفي ختام مداخلته، اعتبر شاكر أن التغيرات المناخية تمثل فرصة لتسريع الانتقال نحو نموذج تنموي مستدام يقوم على الاقتصاد الأخضر وخلق فرص الشغل، مؤكداً التزام فريق التجمع الوطني للأحرار بمواصلة مواكبة المجهود الحكومي تشريعًا ورقابة واقتراحًا، مع الدعوة إلى التسريع بتنزيل توصيات التقرير.
كما شدد على أهمية تطوير منظومات الرصد والإنذار المبكر، وتعزيز الجاهزية للتعامل مع الفيضانات والحرائق وموجات الجفاف، مثمنًا في الوقت نفسه الدور الذي تضطلع به مختلف السلطات العمومية والقوات المسلحة الملكية في تدبير الأزمات المرتبطة بالتغيرات المناخية، مستحضرًا التدخلات التي شهدتها فيضانات الغرب واللوكوس وحرائق الغابات، والتي جسدت، بحسب تعبيره، كفاءة مؤسسات الدولة وروح التضحية في خدمة الوطن تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.




