أكد راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، أن النقاش حول حصيلة عمل الحكومة يجب أن ينطلق من أرضية واضحة تقوم على فهم منهجية الاشتغال التي اعتمدها حزب التجمع الوطني للأحرار والأغلبية الحكومية، معتبرا أن حجم الانتقادات التي وجهت للحكومة يعكس في حد ذاته دينامية العمل والإنجاز، لأن “الذي يشتغل هو الذي يُنتقد، أما الذي لا يشتغل فلا يلتفت إليه أحد”.
وأوضح الطالبي العلمي، خلال الندوة الصحفية المخصصة لتقديم الحصيلة الحكومية، أن مسار الانتقاد مر بعدة مراحل، بدأت بطرح تساؤلات في غياب المعطيات الدقيقة، قبل أن تنتقل إلى التشكيك في الأرقام رغم صدورها عن مؤسسات وطنية ودولية، معتبراً أن هذا التطور في الخطاب يعكس تحولات النقاش العمومي أكثر مما يعكس حقيقة الأداء الحكومي.
وفي معرض رده على بعض الطروحات التي تقلل من الطابع السياسي لعمل الحكومة، شدد رئيس مجلس النواب على أن السياسة لا تختزل في الخطابة أو البلاغة، بل في القدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته، حتى وإن كان صعباً أو مكلفاً، مؤكداً أن العمل السياسي الحقيقي هو الذي يبحث عن إحداث التغيير داخل المجتمع، لا الاكتفاء بإنتاج الخطاب.
واستحضر الطالبي العلمي السياق الذي انطلقت فيه الولاية الحكومية سنة 2021، مباشرة بعد تداعيات جائحة كوفيد-19، حيث عرف المجتمع المغربي، على غرار باقي المجتمعات، تحولات عميقة استدعت اختيارات جريئة قادرة على مواكبة هذه التغيرات والاستجابة لتطلعات فئات جديدة من الشباب والأسر.
وأشار إلى أن من أبرز تجليات هذه الاختيارات الرفع غير المسبوق في الميزانيات الاجتماعية، حيث انتقلت ميزانية قطاع التعليم من حوالي 17 أو 18 مليار درهم إلى 40 مليار درهم، كما ارتفعت الميزانية المخصصة لقطاعي الصحة والتعليم مجتمعين من 64 مليار درهم إلى ما يقارب 97 أو 98 مليار درهم، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو الاستثمار في الرأسمال البشري.
كما أبرز أن الحكومة اعتمدت منهجية قائمة على استحضار الإكراهات الدولية وتأثيرها على الاقتصاد الوطني، مع رفض خيار التقشف، والتوجه نحو دعم القدرة الشرائية وإطلاق إصلاحات جبائية، بالتوازي مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي، الذي بلغ ما بين 340 و380 مليار درهم، معتبراً أن هذا الاستثمار يشكل المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني ورافعة لإنجاح مختلف الأوراش الإصلاحية.
وفي هذا السياق، نوه الطالبي العلمي بالمبادرة الحكومية الرامية إلى فتح نقاش عمومي موسع حول الحصيلة، معتبراً أنها تتيح الزمن الكافي لتقييم المنجزات واستشراف آفاق الإصلاح، خاصة في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، وفي مواجهة التأثيرات الخارجية والإكراهات الداخلية.
وأكد أن هذه الحكومة “سياسية بامتياز”، لأنها استطاعت تفعيل الرؤية الملكية المرتبطة ببناء الدولة الاجتماعية، وترجمة مقتضيات دستورية تعود إلى سنة 1961، والتي تنص على أن المملكة المغربية دولة اجتماعية، مبرزاً أن هذا الورش لم يعد مجرد شعار، بل تحول إلى سياسات عمومية وإجراءات ملموسة.
وفي مقابل ما وصفه بـ“العمل السياسي المريح” القائم على تجنب القرارات الصعبة واسترضاء مختلف الأطراف، شدد على أن حزب التجمع الوطني للأحرار اختار “العمل السياسي الشاق”، القائم على إحداث تغيير فعلي داخل المجتمع، والتكيف مع تحولات بنيته الاجتماعية وتطلعاته المتجددة.
وأضاف أن هذا التحول يقتضي اعتماد عقلية جديدة في تدبير الشأن العام، تتجاوز منطق الخطابات إلى منطق الابتكار والنجاعة في تعبئة الموارد وتوجيهها، بما يضمن تنزيل حقيقي لورش الدولة الاجتماعية بعيداً عن الشعارات.
وفي ختام مداخلته، توقف رئيس مجلس النواب عند تطور منهجية إعداد السياسات العمومية، مبرزاً أنه منذ دستور 2011 لم يعد الحديث مقتصراً على “السياسات الحكومية” بل أصبح يتعلق بـ“السياسات العمومية” المتكاملة، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية قامت، لأول مرة، بتجميع هذه السياسات في مؤلف مرجعي تم توزيعه على البرلمانيين، بما يعكس انسجام العمل الحكومي وتكامله.
كما كشف أنه، في إطار تتبعه للعمل البرلماني، قام بجمع ما يقارب 760 وثيقة وعرضاً قدمها الوزراء خلال الفترة ما بين 2021 و2026، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، كثافة العمل المؤسساتي وغنى النقاش العمومي المرتبط بالسياسات العمومية في المغرب.




