كلمة السيد شفيق رشادي في افتتاح المؤتمر البرلماني الإفريقي العربي الرابع عشر

الخميس, 5 مايو, 2016 -00:05
كلمة السيد شفيق رشادي في افتتاح المؤتمر البرلماني الإفريقي العربي الرابع عشرشارك المغرب، في افتتاح أشغال المؤتمر البرلماني الأفريقي العربي الرابع عشر في أبيدجان، اليوم الأربعاء 04 ماي 2016، بحضور عدد من الدول العربية والإفريقية. ويمثل المغرب في الملتقى الذي يستمر على مدى يومين، وفد من مجلسي النواب والمستشارين، يترأسه السيد شفيق رشادي، نائب رئيس مجلس النواب،و في الجلسة الافتتاحية لهذا المؤتمر البرلماني، تناول السيد شفيق رشادي الكلمة هذا نصها. السيد رئيس الجمعية الوطنية في الكوت ديفوار، السيد رئيس الاتحاد البرلماني العربي، السيدات والسادة أعضاء المؤتمر المحترمين، أصحاب المعالي، أصحاب السعادة المحترمين السيد الأمين العام للاتحاد البرلماني الأفريقي، السيد الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي، أيها الحضور الكرام، أبلغكم تحيات أخينا وزميلنا السيد راشيد الطالبي العلمي رئيس اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الأفريقي، رئيس مجلس النواب في المملكة المغربية، الذي حالت بعض المهام الطارئة دون إمكانية حضوره أشغال هذا المؤتمر. وإذ كلفني وشرفني معاليه بتمثيله هنا والآن، أستسمح أن أعبر أولا عن بالغ شكري وامتناني للكوت ديفوار، رئيساً وحكومةً وشعباً، وبالخصوص لزملائي وزميلاتي في الجمعية الوطنية الإيفوارية على ما أُحِطْنا به وما أُحِيطَ به هذا المؤتمر من عناية واهتمام واستقبال واستضافة كريمة، وهو ما يؤكد مجدداً ما تتميز به الكوت ديفوار من روح الصداقة والانفتاح، وما يعزز صُورَتَها لدينا كبلدٍ أفريقي صديق حريصٍ على مكانته الأفريقية والدولية، منخرطٍ في اللحظة الكونية بكل ما تتطلبه من خدمةٍ للأفقِ الديمقراطي والبناء المؤسساتي، وكذا الحرص على تعزيز وتقوية البنيان الأفريقي. ولا يفوتني هنا أيضا أن أنوه بالقيمة التي يمثلها هذا المؤتمر البرلماني الأفريقي العربي، خصوصا وأنني أعتبر نفسي أَحَدَ الذين يؤمنون بأهمية أن تلتقيَ إطاراتُ العمل المختلفة، مجرد أن تلتقي وبغض النظر عن طبيعة الحوار بينها ومضمون مناقشتها ونتائج حوارها. فأن يلتقي الإطار البرلماني الأفريقي مع الإطار البرلماني العربي يشكل في حد ذاته مكسبا، إذ تتاح الفرصة لربط العلاقات وتبادل الصداقات، إما بعقدها لأول مرة بالنسبة للبعض وإما بتجديدها بالنسبة للبعض الآخر. وأما أن يكون اللقاء ممتلئا بالمعنى السياسي والحضاري والتاريخي، وأن يكون مُرَكَّزاً على موضوع هام كموضوعنا الذي نجتمع من أجل مناقشته والتداول فيه، فهذا ما يعزز إيماني شخصيا بل إيماننا جميعا بأهمية هذه الدورة، وما يَمْنَحُنا المزيد من اليقين والثقة في أفقنا المشترك كبرلمانيين أفارقة وعرب تربطنا روابط متعددة وعميقة. ومن هنا، أتوجه بالتحية والإكبار إلى كل أولئك البرلمانيين الرواد، من الفضاء البرلماني العربي والفضاء البرلماني الأفريقي، الذين أسسوا هذا الإطار البرلماني المشترك، ووضعوا له القاعدة المرجعية، المبدئية والقانونية والسياسية، وعَبَّدُوا له الطريق الذي نواصل فيه الخطوات بوفاء، وباقتناع، وبثقة في المستقبل. ويسعدني أن أحضر أشغال هذا المؤتمر البرلماني الأفريقي العربي حاملا مشاعر شخصية خاصة تجاه الأفق الرَّحْب العميق الذي يمثله هذا اللقاء، لقاء فضاءين وازنين مؤثرين – الفضاء الأفريقي والفضاء العربي – ولقاء إرادتين مؤمنتين بجذورهما التاريخية وبصناعة المستقبل. وإن هذا الإطار لم ينعقد صدفة، فالعلاقات بين أفريقيا والعالم العربي ليست جديدة. لقد قامت على أسس تاريخية وجغرافية وحضارية وثقافية وكفاحية، خصوصا إبان المعارك المشتركة في مواجهة التوسع الاستعماري الأجنبي. كما أن حوالي ثلث أعضاء الاتحاد البرلماني العربي توجد جغرافيا في القارة الأفريقية. هذا فضلا عن اقتناعنا جميعا بالثقل السياسي والجيو-استراتيجي المشترك لبلداننا العربية والأفريقية. ولكم أستشعر أهمية أن تنتمي بلادي إلى عمقها الأفريقي ومرجعيتها العربية في الوقت نفسه، وأن ينص دستور المملكة المغربية في ديباجته وفي فصل خاص (الفصل الخامس) على المكون العربي والمكون الأفريقي في تشكيل الهوية المغربية، وذلك ضمن مكونات حيوية أخرى، صاغت شخصيتنا ونسقنا الذهني والحضاري والثقافي والاجتماعي. وإنني لأعتز وأفتخر بأننا في المغرب نطلق أسماء عدد وافر من أسماء القادة والرموز الأفارقة والعرب على شوارعنا ومؤسساتنا الوطنية، وذلك تعبيرا عن أننا نصون لهم الاعتبار الكبير، ونحتفظ بهم في الذاكرة وفي الوجدان، ونعتقد أنهم جزء لا يتجزأ من تاريخنا الوطني ومن معالمنا الحية. وكما هو واضح في ديباجة النظام الأساسي للمؤتمر البرلماني الأفريقي العربي (المصادق عليه في داكار، في مارس – 1985)، هناك روح ومبادئ وأهداف ومواثيق أممية وأفريقية وعربية تجمعنا، وتحدد إطار عملنا، وتربطنا بميثاق شرف يستلزم توثيق التعاون بين الأشقاء والأصدقاء الأفارقة والعرب، ويحفز على تنسيق الجهود، وتنمية الحوار، وتقوية الروابط بين البرلمانات والشعوب الأفريقية والعربية، ويعزز تواصلها المستمر. من المؤكد أن الأمتين العربية والأفريقية تمتلكان رصيدا تاريخيا مشتركا، يمكننا الرجوع إليه من خلال كتب المؤرخين الأفارقة والعرب، وكتب الرَّحَلات ومن أبرزها رحلة المغربي إبن بطوطة، وفي المصَنَّفَات والخرائط الجغرافية القديمة وفي مقدمتها خريطة الشريف الإدريسي الشهيرة. وإن كنت أشير هنا إلى بعض النماذج، أدرك أيضا أن في ذاكرة كل واحد من الحضور الكرام نماذِجَ أخرى لهذا الحضور التاريخي والحضاري والثقافي والروحي. ويمكننا أن نستشير الخرائط الإثنية والتحركات القَبَلِيَّة القديمة بين المناطق العربية والمناطق الأفريقية لندرك أنواعا من النماذج والتَّصاهُر والقَرَابَات التي ظلت قائمة إلى اليوم. كما يمكننا أن نتبع مسارات وطرق عدد من التعبيرات الدينية والصوفية عبر الجغرافيات العربية والأفريقية، وكذا طرق الحج، وطرق القوافل التجارية، والمسالك البحرية والصحراوية المختلفة، لنقتنع بأن التبادلات بين البلدان العربية والبلدان الأفريقية ليست موضوعا مُسْتَجَدًّا أو مفتعلا، وإنما هو انشغال مركزي له عمقه التاريخي وخرائطه الجغرافية وحيثياته الحضارية المؤكدة مثلما له امتداداته في الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي المعاصر، وذلك فضلا عما نَجِدُهُ من آثار لهذه التبادلات في عدد من الأعمال السينمائية والمسرحية والأدبية والفنية، خصوصا تلك التي أنجزها فنانون ومبدعون أفارقة وعرب كبار أَثْرَوْا الرصيد المعرفي والجمالي للإنسانية، حظي بعضهم بجائزة نوبل للآداب وبأسمى أنواع التكريم والتقدير في العالم. هذا يعني، حضرات السيدات والسادة، أن لقاءنا اليوم في أفق الموضوع الذي اخترناه لحوارنا الجماعي ولمناقشاتنا، ألا وهو “تنمية التبادلات بين البلدان العربية والبلدان الأفريقية من أجل تنمية السلم والتنمية المستدامة” ينبغي أن يستحضر هذا البعد التاريخي لعلائقنا الأفريقية العربية، فالتاريخ ليس ماضيا فحسب، ولكنه حاضر باستمرار عَبْرَ الوعي بالجذور بل إنه وعي بالحاضر والمستقبل إذا ما جعلنا منه مكسبا ومنطلقا لفهم ما يجمعنا وما يُقربنا من بعضنا البعض أفارقةً وعرباً، وما يفتح أعيننا على الأفق المشترك ووحدة المصير. من المؤكد أننا نلتقي اليوم لنفكر في قضايا التبادل الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي والتربوي، وفي آفاق التضامن والتنسيق والانسجام في كل ما يخدم التنمية المستدامة ويؤسس لمقتضيات التعاون والتكامل، ويحقق تنمية السلم والأمن والاستقرار في مناطقنا وفي عالمنا العربي الأفريقي، خصوصا في ظل التحديات المطروحة علينا، على دولنا وشعوبنا، وكذا ما يتهدد بلدانَنَا من مَخَاطِرَ جسيمةٍ، وما يستهدف مجتمعاتِنَا الاقتصادية الإقليمية من ظواهر خطيرة. وقد لا أحتاج إلى التذكير بمعضلات مقلقة جدا كالإرهاب الذي أصبح ظاهرة سرطانية تجتاح الجسد العربي مثلما تجتاح الجسد الأفريقي على السواء، والاضطرابات السياسية، والمواجهات المسلحة، والعنف، والتطرف، والجريمة المنظمة، ورواج الأسلحة غير المراقبة، وتجارة المخدرات، والأوبئة الفتاكة، والمتاجرة بالبشر، والهجرة التي أصبحت اليوم أولوية على جدول أعمال المنتظم الدولي، خصوصا في الفضاء المتوسطي والأوروبي. لا أريد أن أرسم صورة سوداء للتحديات المطروحة على فضائنا الأفريقي والعربي، فنحن جميعا ندرك هذه التحديات. Je ne veux pas brosser une image noire des défis soulevés au sein de l’espace arabo-africain. Nous sommes tous conscients de ces dits défis. ولا شك أن لنا جميعا، كُلٌّ من موقعه ووفق منظوره، مقاربةً أو نظرةً نقديةً إليها، لكنني – وبعيداً عن أي رؤية تراجيدية – مؤمن بأن المؤسسة البرلمانية العربية والأفريقية تمتلك جانبا من آفاق الحلول وممكنات التجاوز. فنحن نمتلك القوة الاقتراحية، ونمتلك سلطة التشريع، وسلطة المراقبة القادرة على توجيه السياسات العمومية أو إعادة توجيهها نحو الأولويات الأكثر إلحاحا والأكثر استيعابا للتحولات والمستجدات التي يعرفها واقعنا. صحيح، أن العلاقات البرلمانية الأفريقية العربية ظلت لفترة طويلة محدودة ورمزية، وثنائية في الغالب. ولكنها ظلت تراكم منذ نهاية السبعينيات في القرن الماضي لحظات مثمرة، خصوصا بعد انعقاد المؤتمر الأول لاتحاد البرلمانات الأفريقية في نواكشوط. ومن ثم انطلق الحوار البرلماني العربي الأفريقي، وظل يتعزز مرورا بمحطات برلمانية أساسية عربية أو أفريقية، فضلا عن مؤتمرات برلمانية متعددة عربية أو أفريقية أو فرانكفونية أو دولية احتضنها المغرب وشكلت فرصا لحوار ظل يقوي الأفق البرلماني العربي الأفريقي وصولا إلى هذا المؤتمر الذي تحتضنه أبيدجان ولنا عليه رهانات جوهرية بخصوص تطوير عملنا المشترك وتعميق حوارنا حول آليات التعاون وتقوية الاتصالات وتنسيق جهودنا العربية الأفريقية في المنتديات الدولية. ولو استطعنا في العالمين الأفريقي والعربي أن نُشَيِّدَ استراتيجياتٍ تنمويةً مشتركة، وأن نتجنب تشتيت جهودنا، وأن نوحد الرؤى والاجتهادات والمبادرات وإطارات العمل المؤسسي على قاعدة المسؤولية والحوار والتنسيق الجهوي والإقليمي، فضلا عن آليات العمل الثنائي المشترك، لو استطعنا كذلك أن نعيد بناء علائقنا العربية والأفريقية في تفاعل بناء مع المؤسسات الدولية المعنية بشؤوننا ومصالحنا وقضايانا والتحديات المطروحة علينا، لأمكننا أن ننجح في خلق البيئة المنشودة للتنمية المستدامة وتعزيز أسباب السلم والأمن والاستقرار، وإيلاء الاعتبار لرفاه شعوبنا والاستجابة لحاجاتها الإنمائية، والتفكير في الأجيال الجديدة المستقبلية. ولكن مع ذلك، اسمحوا لي أن أقول – هكذا بصفة عامة – بأن الأفق الذي يخلق الأمن و يغديه، لا يمكن أن يتحقق دونما بناء وتقوية الدولة الوطنية أولا على أساس بناء مؤسساتها الديمقراطية الحقيقية، وباعتماد منطق الإصلاح الدستوري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المتواصل، ولعل التجربة تبرز إلى أي حد ما زال علينا أن نعمل، وأن نجتهد، وأن نتعلم من خبرات بعضنا البعض، ومن دروس الواقع وتطوراته ومستجداته. حضرات السيدات والسادة، سيكون علينا في هذا المؤتمر، وربما في لقاءات مقبلة، أن نواجه الأسئلة الكبرى الحقيقية التي يطرحها الواقع الراهن علينا جميعا، في أفريقيا وفي الوطن العربي. وأعتقد أننا متفقون جميعا على مستويات التَّمَاسِّ والعلاقة الجدلية القائمة بين قضايا السلم والأمن والاستقرار والتنمية، وأي واحد منا – حتى بدون أن يكون متخصصا – يمكنه أن يدرك أن قضايا السلم والأمن في مناطقنا لها خطورتها، إذ كلما غُيِّبَ الأمن، وغُيِّبَ السلم، فإن الـمُتَوَقَّع – تلقائيا – أن تغيبَ التنمية، ويهربَ رأس المال، وتضيع الموارد البشرية والثروات الطبيعية، وتُخْفِقَ الإصلاحات المختلفة، وتتضاءلَ أسبابُ الكرامة بل أسبابُ الحياة، فَتَعُمَّ المخاطرُ والظواهرُ الإرهابية والإجرامية، وتَنْفَجِرَ الأوضاعُ والنزاعاتُ والحروب. هذه الدورة، وما يَمْنَحُنا المزيد من اليقين والثقة في أفقنا المشترك كبرلمانيين أفارقة وعرب تربطنا روابط متعددة وعميقة. ومن هنا، أتوجه بالتحية والإكبار إلى كل أولئك البرلمانيين الرواد، من الفضاء البرلماني العربي والفضاء البرلماني الأفريقي، الذين أسسوا هذا الإطار البرلماني المشترك، ووضعوا له القاعدة المرجعية، المبدئية والقانونية والسياسية، وعَبَّدُوا له الطريق الذي نواصل فيه الخطوات بوفاء، وباقتناع، وبثقة في المستقبل. ويسعدني أن أحضر أشغال هذا المؤتمر البرلماني الأفريقي العربي حاملا مشاعر شخصية خاصة تجاه الأفق الرَّحْب العميق الذي يمثله هذا اللقاء، لقاء فضاءين وازنين مؤثرين – الفضاء الأفريقي والفضاء العربي – ولقاء إرادتين مؤمنتين بجذورهما التاريخية وبصناعة المستقبل. وإن هذا الإطار لم ينعقد صدفة، فالعلاقات بين أفريقيا والعالم العربي ليست جديدة. لقد قامت على أسس تاريخية وجغرافية وحضارية وثقافية وكفاحية، خصوصا إبان المعارك المشتركة في مواجهة التوسع الاستعماري الأجنبي. كما أن حوالي ثلث أعضاء الاتحاد البرلماني العربي توجد جغرافيا في القارة الأفريقية. هذا فضلا عن اقتناعنا جميعا بالثقل السياسي والجيو-استراتيجي المشترك لبلداننا العربية والأفريقية. ولكم أستشعر أهمية أن تنتمي بلادي إلى عمقها الأفريقي ومرجعيتها العربية في الوقت نفسه، وأن ينص دستور المملكة المغربية في ديباجته وفي فصل خاص (الفصل الخامس) على المكون العربي والمكون الأفريقي في تشكيل الهوية المغربية، وذلك ضمن مكونات حيوية أخرى، صاغت شخصيتنا ونسقنا الذهني والحضاري والثقافي والاجتماعي. وإنني لأعتز وأفتخر بأننا في المغرب نطلق أسماء عدد وافر من أسماء القادة والرموز الأفارقة والعرب على شوارعنا ومؤسساتنا الوطنية، وذلك تعبيرا عن أننا نصون لهم الاعتبار الكبير، ونحتفظ بهم في الذاكرة وفي الوجدان، ونعتقد أنهم جزء لا يتجزأ من تاريخنا الوطني ومن معالمنا الحية. وكما هو واضح في ديباجة النظام الأساسي للمؤتمر البرلماني الأفريقي العربي (المصادق عليه في داكار، في مارس – 1985)، هناك روح ومبادئ وأهداف ومواثيق أممية وأفريقية وعربية تجمعنا، وتحدد إطار عملنا، وتربطنا بميثاق شرف يستلزم توثيق التعاون بين الأشقاء والأصدقاء الأفارقة والعرب، ويحفز على تنسيق الجهود، وتنمية الحوار، وتقوية الروابط بين البرلمانات والشعوب الأفريقية والعربية، ويعزز تواصلها المستمر. من المؤكد أن الأمتين العربية والأفريقية تمتلكان رصيدا تاريخيا مشتركا، يمكننا الرجوع إليه من خلال كتب المؤرخين الأفارقة والعرب، وكتب الرَّحَلات ومن أبرزها رحلة المغربي إبن بطوطة، وفي المصَنَّفَات والخرائط الجغرافية القديمة وفي مقدمتها خريطة الشريف الإدريسي الشهيرة. وإن كنت أشير هنا إلى بعض النماذج، أدرك أيضا أن في ذاكرة كل واحد من الحضور الكرام نماذِجَ أخرى لهذا الحضور التاريخي والحضاري والثقافي والروحي. ويمكننا أن نستشير الخرائط الإثنية والتحركات القَبَلِيَّة القديمة بين المناطق العربية والمناطق الأفريقية لندرك أنواعا من النماذج والتَّصاهُر والقَرَابَات التي ظلت قائمة إلى اليوم. كما يمكننا أن نتبع مسارات وطرق عدد من التعبيرات الدينية والصوفية عبر الجغرافيات العربية والأفريقية، وكذا طرق الحج، وطرق القوافل التجارية، والمسالك البحرية والصحراوية المختلفة، لنقتنع بأن التبادلات بين البلدان العربية والبلدان الأفريقية ليست موضوعا مُسْتَجَدًّا أو مفتعلا، وإنما هو انشغال مركزي له عمقه التاريخي وخرائطه الجغرافية وحيثياته الحضارية المؤكدة مثلما له امتداداته في الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي المعاصر، وذلك فضلا عما نَجِدُهُ من آثار لهذه التبادلات في عدد من الأعمال السينمائية والمسرحية والأدبية والفنية، خصوصا تلك التي أنجزها فنانون ومبدعون أفارقة وعرب كبار أَثْرَوْا الرصيد المعرفي والجمالي للإنسانية، حظي بعضهم بجائزة نوبل للآداب وبأسمى أنواع التكريم والتقدير في العالم. هذا يعني، حضرات السيدات والسادة، أن لقاءنا اليوم في أفق الموضوع الذي اخترناه لحوارنا الجماعي ولمناقشاتنا، ألا وهو “تنمية التبادلات بين البلدان العربية والبلدان الأفريقية من أجل تنمية السلم والتنمية المستدامة” ينبغي أن يستحضر هذا البعد التاريخي لعلائقنا الأفريقية العربية، فالتاريخ ليس ماضيا فحسب، ولكنه حاضر باستمرار عَبْرَ الوعي بالجذور بل إنه وعي بالحاضر والمستقبل إذا ما جعلنا منه مكسبا ومنطلقا لفهم ما يجمعنا وما يُقربنا من بعضنا البعض أفارقةً وعرباً، وما يفتح أعيننا على الأفق المشترك ووحدة المصير. من المؤكد أننا نلتقي اليوم لنفكر في قضايا التبادل الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي والتربوي، وفي آفاق التضامن والتنسيق والانسجام في كل ما يخدم التنمية المستدامة ويؤسس لمقتضيات التعاون والتكامل، ويحقق تنمية السلم والأمن والاستقرار في مناطقنا وفي عالمنا العربي الأفريقي، خصوصا في ظل التحديات المطروحة علينا، على دولنا وشعوبنا، وكذا ما يتهدد بلدانَنَا من مَخَاطِرَ جسيمةٍ، وما يستهدف مجتمعاتِنَا الاقتصادية الإقليمية من ظواهر خطيرة. وقد لا أحتاج إلى التذكير بمعضلات مقلقة جدا كالإرهاب الذي أصبح ظاهرة سرطانية تجتاح الجسد العربي مثلما تجتاح الجسد الأفريقي على السواء، والاضطرابات السياسية، والمواجهات المسلحة، والعنف، والتطرف، والجريمة المنظمة، ورواج الأسلحة غير المراقبة، وتجارة المخدرات، والأوبئة الفتاكة، والمتاجرة بالبشر، والهجرة التي أصبحت اليوم أولوية على جدول أعمال المنتظم الدولي، خصوصا في الفضاء المتوسطي والأوروبي. لا أريد أن أرسم صورة سوداء للتحديات المطروحة على فضائنا الأفريقي والعربي، فنحن جميعا ندرك هذه التحديات. Je ne veux pas brosser une image noire des défis soulevés au sein de l’espace arabo-africain. Nous sommes tous conscients de ces dits défis. ولا شك أن لنا جميعا، كُلٌّ من موقعه ووفق منظوره، مقاربةً أو نظرةً نقديةً إليها، لكنني – وبعيداً عن أي رؤية تراجيدية – مؤمن بأن المؤسسة البرلمانية العربية والأفريقية تمتلك جانبا من آفاق الحلول وممكنات التجاوز. فنحن نمتلك القوة الاقتراحية، ونمتلك سلطة التشريع، وسلطة المراقبة القادرة على توجيه السياسات العمومية أو إعادة توجيهها نحو الأولويات الأكثر إلحاحا والأكثر استيعابا للتحولات والمستجدات التي يعرفها واقعنا. صحيح، أن العلاقات البرلمانية الأفريقية العربية ظلت لفترة طويلة محدودة ورمزية، وثنائية في الغالب. ولكنها ظلت تراكم منذ نهاية السبعينيات في القرن الماضي لحظات مثمرة، خصوصا بعد انعقاد المؤتمر الأول لاتحاد البرلمانات الأفريقية في نواكشوط. ومن ثم انطلق الحوار البرلماني العربي الأفريقي، وظل يتعزز مرورا بمحطات برلمانية أساسية عربية أو أفريقية، فضلا عن مؤتمرات برلمانية متعددة عربية أو أفريقية أو فرنكفونية أو دولية احتضنها المغرب وشكلت فرصا لحوار ظل يقوي الأفق البرلماني العربي الأفريقي وصولا إلى هذا المؤتمر الذي تحتضنه أبيدجان ولنا عليه رهانات جوهرية بخصوص تطوير عملنا المشترك وتعميق حوارنا حول آليات التعاون وتقوية الاتصالات وتنسيق جهودنا العربية الأفريقية في المنتديات الدولية. ولو استطعنا في العالمين الأفريقي والعربي أن نُشَيِّدَ استراتيجياتٍ تنمويةً مشتركة، وأن نتجنب تشتيت جهودنا، وأن نوحد الرؤى والاجتهادات والمبادرات وإطارات العمل المؤسسي على قاعدة المسؤولية والحوار والتنسيق الجهوي والإقليمي، فضلا عن آليات العمل الثنائي المشترك، لو استطعنا كذلك أن نعيد بناء علائقنا العربية والأفريقية في تفاعل بناء مع المؤسسات الدولية المعنية بشؤوننا ومصالحنا وقضايانا والتحديات المطروحة علينا، لأمكننا أن ننجح في خلق البيئة المنشودة للتنمية المستدامة وتعزيز أسباب السلم والأمن والاستقرار، وإيلاء الاعتبار لرفاه شعوبنا والاستجابة لحاجاتها الإنمائية، والتفكير في الأجيال الجديدة المستقبلية. ولكن مع ذلك، اسمحوا لي أن أقول – هكذا بصفة عامة – بأن الأفق الذي يخلق الأمن ويغديه، لا يمكن أن يتحقق دونما بناء وتقوية الدولة الوطنية أولا على أساس بناء مؤسساتها الديمقراطية الحقيقية، وباعتماد منطق الإصلاح الدستوري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المتواصل، ولعل التجربة تبرز إلى أي حد ما زال علينا أن نعمل، وأن نجتهد، وأن نتعلم من خبرات بعضنا البعض، ومن دروس الواقع وتطوراته ومستجداته. حضرات السيدات والسادة، سيكون علينا في هذا المؤتمر، وربما في لقاءات مقبلة، أن نواجه الأسئلة الكبرى الحقيقية التي يطرحها الواقع الراهن علينا جميعا، في أفريقيا وفي الوطن العربي. وأعتقد أننا متفقون جميعا على مستويات التَّمَاسِّ والعلاقة الجدلية القائمة بين قضايا السلم والأمن والاستقرار والتنمية، وأي واحد منا – حتى بدون أن يكون متخصصا – يمكنه أن يدرك أن قضايا السلم والأمن في مناطقنا لها خطورتها، إذ كلما غُيِّبَ الأمن، وغُيِّبَ السلم، فإن الـمُتَوَقَّع – تلقائيا – أن تغيبَ التنمية، ويهربَ رأس المال، وتضيع الموارد البشرية والثروات الطبيعية، وتُخْفِقَ الإصلاحات المختلفة، وتتضاءلَ أسبابُ الكرامة بل أسبابُ الحياة، فَتَعُمَّ المخاطرُ والظواهرُ الإرهابية والإجرامية، وتَنْفَجِرَ الأوضاعُ والنزاعاتُ والحروب. إن مسؤوليتَنا كبيرةٌ جدا، تاريخيةٌ وسياسيةٌ وحضاريةٌ وإنسانيةٌ وأخلاقية. وعلينا كبرلمانيين أن نكون أكثر وعيا بحجمها وأبعادها، وأن نرقى إلى مستواها. وأظن أننا نمتلك ما يكفي من الإرادة والوعي والحس وروح العصر ما يجعلنا في مستوى الانتظارات الشعبية، وما يجعلنا قادرين على مواجهة ورفع التحديات. Notre responsabilité est extrêmement grande. En effet, elle est tout à la fois historique, politique, civilisationnelle, humaine et morale. وبدون شك، فإن ما يجمعنا من أفكار ينبغي استنتاجه من الأفعال. وهذا هو التاريخ. ولابد أيضا للأفعال العاقلة المتبصرة من أفكار مضيئة تهتدي بها كي يتحقق الأفضل والأعمق، أي ما يصنع التاريخ. وفي عالم معاصر أضحت فيه الحاجة أكبر إلى السلام والأمن والاستقرار والتعاون والتضامن والصداقة والثقة، يتوجه ضميري إلى أولئك الأفارقة والعرب العظام الذين حققوا الاستقلالات الوطنية في القارة الأفريقية والعالم العربي، وشيدوا مجدنا الأفريقي العربي، وأعطوا أهم الأمثلة على الحكمة والتعقل والإيمان بالمستقبل. شكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. د. شفيق رشادي نائب رئيس مجلس النواب المغربي

الأكثر قراءة

آخر أخبار حزب التجمع الوطني للأحرار

توصل بأهم المستجدات على بريدك الإلكتروني

آخر أخبار حزب التجمع الوطني للأحرار

مسار الثقة، فرصة للجميع !

إنخرط في حزب التجمع الوطني للأحرار و توصل ببطاقتك في أقل من أسبوعين

situs judi bola judi bola daftar slot gacor online slot online pragmatic play slot server jepang
slot gacor
ssh premium
slot gacor anti rungkad
UG2882
slot gacor
Slot