التجمع الوطني للأحرار
المجلس الوطني
طنجة
17 ماي 2014
الأخوات والإخوة مناضلات ومناضلي، التجمع الوطني للأحرار،
سعيد بالتئام أسرة التجمع من أقصى المغرب إلى أقصاه… لنحيي معا آصرة العائلة التجمعية… لنقف… لنقيم … لنلاقح الآراء والأفكار… لنستشرف… ثم لنخطط ما ندعم به مسيرتنا… مسيرة بلادنا وشعبنا.
سعيد أن أرحب بكم باسم أخواتكم وإخوانكم في المكتب السياسي للحزب متمنيا لكم مقاما طيبا وعملا مثمرا…
وسعيد كذلك أن يلتئم هذا اللقاء بمدينة طنجة التي لا يخفى عليكم ما هي عليه من وضع اعتباري خاص، بعدما لم تعد مجرد نافذة لشمال المغرب على أوروبا، بل أضحت نافذة أوروبا على المغرب، وتعمل، ونعمل جميعا، كي تكون بوابة العالم على إفرقيا، وهذا وحده يكفي حتى يقيس من لا زال يداخله شك، حجم التطور الذي حققته بلادنا في السنوات الأولى لهذا القرن، ولا زالت تحققه بثبات وإصرار، انطلاقا من صورة واضحة لما يجب أن يكون عليه المغرب، آناً ومستقبلاً، بفضل جهودنا جميعا على ضوء القيادة الرصينة لصاحب الجلالة نصره الله.
وبقدر سعادتنا لهذا اللقاء، بقدر أسفنا لأن إخوة لنا لم يتمكنوا من مشاركتنا لحظة الالتئام، لا لانشغال طارئ، ولكن لأنهم أكملوا مسيرتهم، في الحزب وفي الحياة، واختارهم الله إلى جواره، منهم إخوان لكم في المجلس الوطني، وآخرون منتخبون ومناضلون في الحزب:
محمود الصبار من اسا الزاك
اسماعيل أبوعلي وحسن اد القايد من الحوز
مصطفى ازواغ من الناظور
عبد الرزاق عواد من مدينة اليوسفية
رشيد الخطاب من برشيد
والمستشاران البرلمانيان ابراهيم الحب وعبد السلام امغار. من أجل هؤلاء أدعوكم لقراءة الفاتحة ترحما على أرواحهم أثابهم الله حسن الجزاء.
الأخوات والإخوة
لقد مرت تسعة أشهر على الدورة السابقة لمجلسنا الوطني، يوم اجتمعنا للحسم في قرار تاريخي، حين كانت أجواء البلد غائمة بفعل الأزمة التي كادت تشل الحكومة والبرلمان نتيجة لتعطل الأغلبية السابقة.
كانت الأزمة الحكومية قد عمرت أسابيع طويلة، وفي الآن نفسه كانت الأوضاع الاقتصادية والمالية تتجه بسرعة نحو الحائط، والانعكاسات الاجتماعية تنذر بانفلات قد يمس الاستقرار… وفي نفس الآن، كان خصوم المغرب يعملون بمثابرة مزودين بكثير من الحقد، وبكثير من البترودولار، وبعلاقات يتسللون عبرها بمختلف الطرق للتأثير على مراكز القرار الدولي… وإلى جانب كل هذا، كان شركاء المغرب وأصحاب القرار المالي والاقتصادي في وضع ترقب، وكأنما بدأ يتسلل إليهم الشك في صلابة النموذج المغربي وفي استقراره.
كان الوضع يقترب بسرعة من دائرة الخطر، وتم وضع كل الخيارات على الطاولة، بما فيها خيار الانتخابات السابقة لأوانها، ولكن الكل كان مجمعا على أن الخريطة السياسية لم تكن لتتغير كثيرا، ما رجح استمرار الأزمة حتى مع هذا الخيار، وما أفضى إلى توجه كل الأنظار نحو حزب التجمع باعتباره مفتاح الأزمة والورقة الحاسمة في حل المعضلة.
إنها لوحة أمينة لخصت نداء الوطن، النداء الذي وضعكم أمام مسؤولية كبرى وأمام اختيار تاريخي سيتحكم في التطورات اللاحقة، والحال أننا كنا قد تقدمنا في بناء موقعنا داخل المعارضة، وانسجمنا مع دورنا الجديد، لا في التدبير ولكن في مراقبة التدبير، وتقبلنا برحابة صدر الثمن المترتب عن ذلك.
ولأن اللحظة كانت بهذا الثقل، التزمت كرئيس إلى جانب أعضاء المكتب السياسي بعدم التأثير على رأي المجلس، وسهرت على أن يتم بث أشغال الاجتماع بشكل مباشر على الأنترنيت في خطوة غير مسبوقة داخل الحياة الحزبية الوطنية، إذ لم يعد السؤال لدينا السماح للصحافة بالحضور أم لا، بل كيف السبيل إلى إشراك أوسع دائرة من المواطنين والمهتمين في المخاض السياسي للحظة مؤسسة في تجربتنا الحزبية.
وفعلا كان النضج في مستوى التفريق بين اعتبارات التمايز والاختلاف والتناقض، وبين إمكانية التلاقي على استعجالية معالجة الوضع الوطني. وكنتم في منتهى الانسجام والوضوح وأنتم تحددون إطار الاشتغال باعتباره بناء لأغلبية جديدة توفر شرط التساكن cohabitation داخل البيت الحكومي وفق ضوابط ستضمن الفعالية في الأداء الحكومي جنبا إلى جنب مع ضمان استمرار الأغلبية درءً لتكرار نفس العطب.
وكانت اللوازم كما سطرتموها: تحديد أولويات العمل الحكومي؛ إعادة هيكلة الحكومة وتدقيق ميثاق الأغلبية ، وفوضتم أمر تحقيقها ضمن المشاورات مع السيد رئيس الحكومة إلى شخصي المتواضع، ما جعلني محاصرا بين أداء أمانة المجلس الوطني وبين ما يستدعيه التوفيق كشرط أولي للانسجام، واسمحوا لي هنا، أيتها الأخوات ، أيها الإخوة، أن أدعي أنني بذلت ما بوسعي للخروج من ضيق المعادلة إلى رحابة التوافق الذي فتح الباب أمام تدارك الوضع.
إنني هنا والآن، والتزاما بما يقتضيه التفويض، أود أن أقدم لمحة موجزة وملخصة لما قمت به، ولو أنكم تتبعتم الأمور عن كثب في إطار مهامكم السياسية وانتداباتكم الانتخابية، فبالنسبة لأولويات العمل الحكومي، تم تشكيل لجنة مع باقي مكونات الأغلبية تدارست التصورات المقترحة من لدن كل الأطراف، وهي بصدد وضع اللمسات الأخيرة على الصيغة النهائية لأولويات العمل الحكومي وستفصح عن نتائج عملها قريبا.
أما بالنسبة لإعادة هيكلة الحكومة فقد تمت بكثير من البراغماتية، لعل أهم مظاهرها خلق القطب الاقتصادي والمالي الذي ارتأينا، ضمانا لنجاحه، أن تنتمي كل مكوناته لنفس اللون السياسي، وهو ما كان فعلا حيث آل إلى وزراء التجمع الوطني للأحرار الذين أبدوا حنكة وكفاءة عاليين في تدبيره بشكل منسجم ومتداخل وفق ما كنا ننادي به من إعادة توجيه السياسة الاقتصادية والمالية والتنموية للحكومة.
هذا فضلا عن المصادقة والتوقيع على ميثاق الأغلبية الجديدة، في اجتماع قادة الأغلبية وبحضور فرقها البرلمانية كما تتبعتم ذلك مؤخرا.
غير أن الأهم في كل هذا هو النتائج، فهل كانت النتائج في مستوى ما خططنا له جميعا؟
علينا أولا ألا ننسى أن عمر التشكيلة الحكومية الجديدة لا يتجاوز سبعة أشهر وهي مدة قصيرة مقارنة بالمهام المطروحة، ومع ذلك كانت النتائج في الموعد، وإذا كنت أفضل أن أوفر عنكم عناء التفاصيل الكثيرة، فإنني أحيلكم إلى القرار الصادر أمس الجمعة 16 ماي عن وكالة التنقيط الدولية ستاندارد أند بورز التي رفعت التصنيف الائتماني لبلادنا من سلبي إلى مستقر مبرزة التحسن الذي عرفته التوازنات المالية خاصة عجز الميزانية وميزان الأداءات.
إن هذا الاعتراف الدولي من طرف جهة يؤخذ رأيها بقوة لدى المستثمرين والمؤسسات المالية والسوق المالية بشكل عام، لهو صك نجاحنا في الجانب الأكثر حساسية واستعجالية، أي الجانب الاقتصادي والمالي.
كما أن الحكومة في تشكيلتها الحالية أحرزت العديد من الخطوات، على المستوى الاجتماعي سواء عبر استقرار نسبة التضخم أو على مستوى العودة لطاولة الحوار الاجتماعي وبذل مجهود مالي إضافي للزيادة في الحد الأدنى للأجور، فضلا عن جوانب أخرى لا تقل أهمية من قبيل التخفيض من أثمان الأدوية واستتباب الأمن، وفوق هذا وذاك تثبيت أجواء الانسجام الحكومي الذي يعتبر الضمانة الأولى لبلوغ الأهداف المسطرة.
كما لا ننسى الدينامية التي عرفتها الديبلوماسية المغربية في الآونة الأخيرة، سواء ما تعلق بإعادة التموقع الاستراتيجي للمغرب من بوابة التعاون جنوب-جنوب ، أو من خلال التحرك الحازم لصيانة ملف الوحدة الترابية، كل ذلك بفضل الاختيارات الملكية السديدة والتحركات المباشرة لصاحب الجلالة نصره الله.
إنها سبعة أشهر فقط، فيما لا زال أمامنا الكثير مما يتطلب الإنجاز، سواء في مجال الإصلاحات التي بدأناها أو في مجال تنزيل الدستور الذي نراهن فيه على تسريع وتيرة التشريع، خاصة بعدما آلت رئاسة مجلس النواب إلى الأخ الرئيس رشيد الطالبي أو في مجالات التشغيل والتعليم وغيرهما.
أيتها الأخوات
أيها الإخوة
تلكم كانت إشارة سريعة لرؤوس أقلام حول ظروف دخولنا الحكومة والإنجازات الأولية التي تمخضت عن ذلك، وسيكون أمامنا جميعا متسع من الوقت قصد التفصيل في ما يحتاج إلى تفصيل.
وقبل ذلكم أود التوقف لحظة عند بعض الجوانب ذات الأبعاد السياسية، إذ أننا نتوجه بشكل حاسم نحو استكمال الهيكلة المؤسساتية وفق ما جاء به دستور 2011، سواء بالنسبة للانتخابات المحلية بكل المسلسل الموصل إلى تجديد مجلس المستشارين، أو بالنسبة لمشروع الجهوية في العلاقة مع قضية الوحدة الترابية.
لقد أبان التجمع من خلال التجربة الحكومية الحالية أنه بالفعل قوة استقرار مؤسساتي داخل وضع سياسي عام متسم بتشرذم القوى السياسية وضعف الاستعداد للحضور الاستراتيجي الذي يستشرف احتياجات البلاد على المستويين المتوسط والبعيد. فطغيان نظرة المدى القريب هو في أحسن الأحوال استبعاد لطبيعة تطور المحيط الدولي، وفي أسوإها جهل بهذه التطورات، علما أن التحولات السارية حاليا تستدعي منا أولا ترسيخ الاستقرار الذي يميز بلادنا، وثانيا دعم مناعة بلادنا من خلال جملة من الشروط على رأسها تجديد نفس الديمقراطية المحلية كوعاء لتحقيق المواطنة الكاملة، والسهر على تحقيق الإدماج الاقتصادي وتوسيع الطبقة الوسطى.
وفي هذا الصدد لا بد أن نؤكد أننا كقوة سياسية يقع علينا جزء كبير من مسؤولية العمل في هذا الاتجاه، لأننا قوة ديمقراطية حداثية، أكدت عبر تاريخها قدرتها على المساهمة في تحقيق التوازن الذي هو مرادف للوسطية والاعتدال في كل شيء.
لذلك فإعدادنا العدة الكافية للمحطات الانتخابية المقبلة ليس من قبيل التنافس من أجل أكبر عدد من المقاعد ولو أن الأمر مشروع تماما، ولكن قبل ذلك من أجل ضمان القدرة على التأثير في واقع مجتمعي لا زال يعمل من أجل تمتين الاستقرار وتمنيع البلاد ضد تقلبات المناخات، المحلية والدولية.
ختاما، لا يمكن عبور هذه اللحظة دون الوقوف عند الذكرى الأليمة التي حلت محطتها الحادية عشرة أمس، ذكرى الضربة الإرهابية التي مست المغرب من الدار البيضاء، حتى نترحم على شهدائها الأبرياء، وحتى نتذكر أن الخطر لا زال قائما، وأننا بالقدر الذي نرفض الإرهاب الأعمى، بالقدر الذي نرفض التطرف المؤدي إليه ونقف بقوة وراء أمير المؤمنين المؤتمن الوحيد على الحياة الروحية للمغرب والمغاربة.
أيتها الأخوات أيتها الإخوة،
لا أريد أن أكمل كلمتي هاته دون التنويه ببرلمانيي الحزب، فقد أعطوا على مستوى مجلس النواب نموذجا رائعا للانضباط الحزبي بمناسبة انتخاب رئيس المجلس، بنفس الحجم الذي أكد فيه مجلسكم هذا بأعضائه مستوى راقيا من حس المسؤولية ومن الاستعداد لخدمة البلاد. وبسيركم على نفس النهج، لا أشك في أن التجمع سيحقق الكثير من المفاجآت، فلتكونوا يدا واحدة من أجل استكمال إنجاز الرسالة، لأنه لا زال أمام التجمع تحقيق رسالته السياسية.
شكرا لكم والسلام عليكم.




