قدم السيد وديع بنعبد الله رئيس الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، مداخلة ناقش من خلالها مشروع القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، في الجلسة العامة التي ترأسها السيد رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب، وذلك للمناقشة والتصويت على هذا المشروع الهام، الذي يعتبر بمثابة مكمل للدستور في الشق المتعلق بتقنين المنظومة المالية للدولة، وهذا نص المداخلة :
بسم الله الرحمان الرحيم
السيد الرئيس المحترم،
السيدات والسادة الوزراء المحترمون،
السيدات والسادة النواب المحترمون،
يشرفني أن أتدخل أمام مجلسنا الموقر باسم فريق التجمع الوطني للأحرار قصد عرض رؤيتنا وقناعات فريقنا، بخصوص مشروع القانون التنظيمي لقانون المالية، باعتباره نصا أساسيا من القوانين التنظيمية الهامة لتنزيل الدستور الجديد، وما يمثله من رمزية للإصلاح، وهو إصلاح لا يقتصر فقط على المالية العمومية، بل يتعداه إلى هيكلة جديدة للإصلاح الشامل من حيث تحسين التدبير العمومي، ووضع إطار للتنسيق بين مختلف أوراش الإصلاح الاقتصادية والمؤسساتية، ويؤسس للانتقال من مقاربة الوسائل إلى مقاربة تقوم على الأهداف والنتائج، من خلال هندسة ميزانياتية جديدة، وتجديد طرق للتدبير العمومي، ونوعية العلاقات التدبيرية و الرقابية .
كما اغتنم الفرصة لطرح مختلف التساؤلات والأفكار والانشغالات التي حملها هذا المشروع المعروض على أنظار مؤسستنا للمصادقة، من حيث كونه يأتي في لحظة مفصلية وتاريخية ببلادنا بما تحمله من رهانات جديدة وآمال عريضة، لمواصلة طموح بلادنا في ترسيخ نموذجها الديمقراطي والتنموي المتميز، في ظل سياق إقليمي ودولي متحول، ويعزز مقومات الاستقرار، ويعزز الثقة في سلامة اقتصادنا الوطني وسلامة ماليتها، وقدرتها على الانتعاش، من خلال تعزيز آليات الرقابة والشفافية.
لكن اسمحوا لي أن أدلي بملاحظة مفادها هو أن هاجس إصلاح المالية العمومية ببلادنا، هو ورش لطالما شغل النخب السياسية والفاعلين الاقتصاديين. وهي مناسبة لأجدد التأكيد أن التفكير في إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية ليس وليد اليوم، فقد انطلق مع الحكومات السابقة، وخصوصا التجربة الحكومية 2007-2011، حيث أطلقت الحكومة على عهد وزير ماليتها أنذاك الأخ صلاح الدين مزوار، جولات تشاور بشأن هذا المشروع الهام، وهو ما يعكس الروح التشاركية بين الحكومة والبرلمان التي حكمت مراحل إعداده. كما أن الفلسفة الجديدة التي جاء بها دستور 2011، دفعت في اتجاه التفكير الجدي في إخراج مشروع قانون تنظيمي لقانون المالية، حتى يستجيب لهذه الفلسفة الجديدة، ويتضمن مقاربة واقعية للمالية العمومية المغربية.
في نفس السياق اسمحوا لي أن أتوجه بالشكر للحكومة على الاهتمام الذي أولته لمشروع القانون التنظيمي لقانون المالية، والصدق الذي طبع المناقشات، وميز مراحل تناول فصوله وسياقاته ورهانات المرحلة، وعمق الحوار الذي شمل كل المواد، وقد تجسد ذلك من خلال التدخلات التي تضمنت مجموعة من الملاحظات والاقتراحات والأفكار، التي كان لها أثر بين في إغناء المشروع وتطويره.
إن المشروع الذي بين أيدينا، والذي تم دراسته والتصويت عليه في لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، يشكل مرحلة متقدمة لتفعيل المقتضيات الدستورية في الشق المتعلق بإصلاح وترسيخ نجاعة المالية العمومية. كما نؤكد على أن هذا النص يتضمن مقاربة جديدة لإصلاح المالية العمومية، وهو نص تفاوضي ناجح بكل المقاييس، لأنه خضع لعدة مشاورات واقتراحات من طرف السيدات والسادة البرلمانيون، ونظرا لملائمة مضامينه مع المقتضيات الدستورية الجديدة، بحيث استوعب كل الإشكالات التدبيرية والمسطرية للمالية العمومية، واعتمد آليات رقابية لتكريس وترسيخ أسس نجاعة المالية العمومية.
حضرات السيدات والسادة،
إن المشروع المعروض على أنظار مجلسنا الموقر يعتبر أول قانون تنظيمي يتم اتباع المنهجية التشاركية في إعداده منذ البداية، ويتضمن مقتضيات تقوي دور البرلمان في الرقابة والإعداد والتعديل. كما أنه مشروع أدخل قاعدة ذهبية لتسقيف المديونية وتوجيهها حصريا لتمويل الاستثمار. كما سيعمل هذا المشروع على تحسين نجاعة التدبير العمومي من خلال اعتماد البرمجة الثلاثية السنوات على أساس تحيينها في كل سنة، فهذا الإجراء سيؤسس للربط بين المخططات والتوجهات العامة للحكومة في إطار القانون التنظيمي للمالية. ناهيك عن إجراءات ثورية أخرى من أبرزها الدخول في تفاصيل الحسابات الخصوصية ومراجعة عددها.
لقد تم الحرص في هذا النص على المستوى القطاعي، على ضرورة إعداد جميع الوزارات أيضا لبرامجها على مدى ثلاث سنوات يتم تحيينها سنويا، على أساس أهداف استراتيجية محددة، وتكاليف متعلقة بإعادة هيكلة تدبير الميزانية بعد توجيهها لبلوغ نتائج قابلة للقياس، وتلك المرتبطة بالاستثمار والتسيير. في المقابل ستمكن هذه البرمجة المتعددة السنوات من ضبط إطار محدد للنفقات على المدى المتوسط، ووضع الخيارات الموازناتية والضريبية.
إن هذا التوجه سيساهم في تحقيق التوافق بين السياسات القطاعية مع الحفاظ على التوازن المالي العام للدولة، والمشاريع المبرمجة في إطار المخططات التنموية للدولة. وربط النفقات المالية بتحقيق النتائج، والمسؤولية بالمحاسبة واعتماد التقييم، وتعزيز المبادئ المالية وتقوية شفافية المالية العمومية، إلى جانب تقوية دور البرلمان في مناقشة الميزانية. فهذا المشروع أخذ بمبدأ الأهداف/النتائج في تدبير المالية العامة، وهذا المنطق فرض مراجعة أسلوب تبويب الميزانية، والانتقال إلى تقديم هذه الأخيرة من خلال منهجية البرامج والمشاريع مع استحضار البعد الجهوي. هذا إلى جانب أن المشروع شدد على ضرورة توفير المعلومة والمؤشرات اللازمة للبرلمان، من أجل القيام بدوره في المراقبة و التتبع من خلال إضافة مجموعة من التقارير المتعلقة بالإنفاق العمومي .
كما أن هذا النص في تقديرنا سوف يستوعب كل القوانين المقبلة المتعلقة بالجهوية، على مستوى التصور القانوني أو العملياتي أو الميزانياتي للجهوية، وكذا القوانين المتعلقة باللاتركيز. وإذ يشكل هذا النص ركيزة ورافعة للتحول وعصرنة الدولة في مجال المالية العمومية، فإنه يؤطر كل التوجهات السياسية والاقتصادية والمالية والتقنية في اتجاه تحديث المنظومة المالية للدولة.
بالإضافة إلى الملائمة مع المقتضيات الدستورية الجديدة ، فإن هذا النص سيعزز دور قانون المالية كأداة أساسية لتنزيل السياسات العمومية، والاستراتيجات القطاعية، وتحسين جودة وخدمات المرفق العمومي وتقوية مسؤولية المدبرين، إلى جانب تعزيز التوازن المالي.
ومن بين الآليات الأخرى التي تصب في تقوية الأداء العمومي، الاعتراف للآمرين والآمرين المساعدين بالصرف، بمساحات واسعة من المرونة في تدبير النفقات العمومية، مع ربط المسؤولية بتحقيق الأهداف المحددة سلفا.
كذلك يلزم هذا المشروع القيام بعمليات تدقيق الأداء audits de Performance مشفوعة بتقرير في هذا الشأن يرفع إلى البرلمان. وعلى هذا المستوى يتعين على جميع المصالح الوزارية إعداد مشاريع وزارية للأداء تتضمن معطيات حول الاستراتيجيات والبرامج والأهداف ومؤشرات الأداء الخاصة بالوزارات، ويتعين دمج هذه التقارير في التقرير السنوي للأداء الذي تعده وزارة الاقتصاد والمالية والذي يتم تقديمه إلى البرلمان بمناسبة إعداد مشروع قانون التصفية. كما لا ننسى أن من بين المبادئ التي أسس لها هذا المشروع، هو موضوعية الميزانية sincérité budgétaire، من خلال تعزيز صحة الفرضيات التي تؤسس لتحضير قانون المالية للسنة . وأيضا على مجموعة من القواعد المالية الجديدة من قبيل:
1- عدم إدراج نفقات التسيير أو الموظفين في الباب المخصص للإستثمار؛
2- الامتناع من حيث المبدأ عن ترحيل اعتمادات الاستثمار؛
3- توجيه الدين العمومي إلى الاستثمار.
حضرات السيدات والسادة،
لقد أسندت إلى المؤسسة التشريعية مجموعة من الصلاحيات من خلال:
– تقوية دور البرلمان في النقاش العام حول ميزانية الدولة ؛
– مراجعة جدولة تقديم قوانين المالية ومسطرة التصويت المرتبطة بها ؛
– توضيح الحق في التعديل البرلماني.
فهذا المشروع يتيح للبرلمان إمكانية المشاركة في تحضير وإعداد قانون المالية للسنة، حيث ينطلق التشاور مع المؤسسة البرلمانية قبل متم شهر يوليوز بغاية مناقشة التوجهات الكبرى والإطار العام لمشروع قانون المالية، لاسيما التطرق إلى مواضيع من قبيل السياق الدولي، وضعية الاقتصاد الوطني، وضع تقدم تنفيذ قانون مالية السنة الجارية إلى غاية 30 يونيو، والبرمجة الممتدة على ثلاث سنوات العامة للدولة، والتي تشكل موضوعا لتقرير تعده الحكومة وتضعه بين يدي البرلمان.
ونثمن تقوية دور البرلمان في مناقشة الميزانية من خلال إغناء المعطيات المقدمة للمؤسسة التشريعية، عبر تقديم عدد مهم من التقارير المرفقة بمشروع قانون المالية، وتقديم العمليات المبرمجة لكل من مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والحسابات المرصدة لأمور خصوصية، وإرفاق مشروع قانون التصفية بالحساب العام للدولة، فضلا عن تعديل الجدول الزمني لدراسة مشاريع قوانين المالية والقوانين المعدلة وقوانين التصفية من قبل المؤسسة التشريعية.
ووجب التذكير بأن هذا المشروع جاء في سياق التفعيل المتقدم لمضامين الدستور ، وملائمة مستجداته مع حاجيات التدبير القائم على فعالية ونجاعة وشفافية تدبير المالية العمومية، وتحيينه في أفق ترسيخ حكامة مالية عقلانية، مع ما تفرضه دينامية الجهوية المتقدمة، واللاتمركز الإداري، وما طبعه من منهجية الدراسة والتحليل والنقاشات العميقة، وما ميزه من خضوعه للمقاربة التشاركية في كل أطوار الإعداد إلى تفاصيل المسطرة التشريعية، مع كل الأطراف المتدخلة الفاعلة.
كما جسد هذا المشروع توجها منهجيا لترسيخ وتقوية المراقبة البرلمانية للمالية العمومية، وتأطير عقلاني للنفقات العمومية من أجل ضمان تيسير جودة خدمات المرفق العمومي المقدمة للمواطن.
حضرات السيدات والسادة،
إن أهم ما يميز هذا المشروع كونه يمنح مسؤوليات متزايدة للمدبرين المحليين، وهي مسؤوليات مرتبطة بالمساءلة والمحاسبة. كما يقدم تحليلا للمعطيات حول التوزيع الترابي والمجالي للاعتمادات المالية المخصصة لكل برنامج، من خلال تبيان القدرة المالية المخصصة لكل جهة من الجهات، وتقديم الميزانية بمنظور يعزز السياسات التعاقدية والشراكات مع كل الفاعلين المتدخلين المحليين. كما أن مقتضيات هذا الإصلاح، تهدف إلى منظور جديد للرزنامة الزمنية لدراسة مشاريع قوانين المالية وقوانين التصفية وقوانين المالية التعديلية.
إن الإجراءات التي يحملها هذا المشروع متقدمة، وبكل المقاييس، وتتجاوب إلى حد كبير مع انتظارات فريقنا في التجمع الوطني للأحرار، والأغلبية على حد سواء بالنظر إلى ما جاء به من إصلاحات عميقة.
حضرات السيدات والسادة،
لقد ساهم فريق التجمع الوطني للأحرار ضمن فرق الأغلبية بالتعديلات الممكنة في إطار الانسجام والتشارك الحاصلين في دينامية العمل التشريعي، حيث تقدمت فرق الأغلبية ب 55 تعديلا. ونحن مرتاحون بالتنسيق الدائم والمتواصل بين مكونات الأغلبية بخصوص القضايا التي تهم الشأن العام، وتهم المواطن بالدرجة الأولى.
أما فيما يخص التعديل الذي هم المادة 8 من المشروع ، فبخلاف ما تداولته بعض وسائل الإعلام، فإن النقاش بخصوص هذا التعديل تم بكل مسؤولية، وبصفة مشتركة بين مكونات الأغلبية، وكان هدفنا الأسمى هو شفافية الحسابات الخصوصية للخزينة وصيانة المنظومة المالية للدولة وتحصينها. وقد قوبل هذا الموقف بشكل إيجابي من طرف الحكومة التي تجمعنا وإياها نفس المبادئ والأهداف.
إن من شأن إقرار هذا المشروع التأسيس لطريقة تدبير جديدة في التعامل بين المؤسسة البرلمانية والحكومة والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين، في مأسسة الحوار والانفتاح وتعزيز خيار التشارك حول كل القضايا الإستراتيجية في جعل الاقتصاد الوطني قاطرة للتنمية المجتمعية، وصون النموذج المغربي، وتعزيز دور البرلمان في الرقابة وتقييم السياسات العمومية..
لذلك سنصوت اليوم بالإيجاب على مشروع القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، لأننا نعتبره بوابة لإصلاح جذري للمالية العمومية وتعزيز الشفافية المالية باعتبارها شرطا لا محيد عنه للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي والمالي لبلادنا، والتي ظل فريقنا كما حزبنا من مختلف المواقع يطالب بإعمالها في مجال التدبير، ويعتبرها من أهم ركائز البناء الاقتصادي والمالي السليم. ولإيماننا أن هذا المشروع سيشكل دفعة قوية من أجل تعزيز الترسانة القانونية المالية للدولة، وسيوطد الآليات العملية لشفافية ونجاعة المالية العمومية، وبالتالي تحصين نظامنا المالي والاقتصادي.
وفقنا الله لما في خير البلاد شكرا على حسن إصغائكم رمضان مبارك كريم والسلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته




