أجمع خبراء وأساتذة جامعيون على أهمية مواصلة إصلاح منظومة التعليم العالي وتعزيز دور الجامعة في مواكبة التحولات التنموية.
ويأتي نقاش المتدخلين ضمن جلسة علمية تفاعلية أُجريت على هامش لقاء وطني نظمته شبكة الأساتذة الجامعيين والهيئة الوطنية لأطر التربية والتكوين التجمعيين في إطار “مسار المستقبل”، تحت عنوان: “التعليم العالي: تطور المنظومة والآفاق المستقبلية”، والتي شكلت فضاءً لتبادل الرؤى حول حصيلة السياسات العمومية في القطاع والتحديات المرتبطة بالحكامة والبحث العلمي.
هذا وجمع هذا اللقاء نخبة من الأساتذة والباحثين لمناقشة مختلف التحولات التي تعرفها الجامعة المغربية، في سياق وطني يتجه نحو تعزيز النجاعة والارتقاء بجودة التكوين وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
وفي مداخلتها، قدمت الأستاذة أمان الولجي قراءة شاملة في مسار إصلاح التعليم العالي، مؤكدة أن القانون الجديد رقم 24.59 يشكل محطة نوعية في تطوير المنظومة الجامعية، من خلال إعادة هيكلة القطاع عبر 113 مادة قانونية، ووضع الطالب في صلب الإصلاح من خلال تحسين جودة التكوين وتعزيز قابلية التشغيل.
كما أبرزت أهمية إرساء حكامة جديدة تربط التمويل بالأداء، وتقوية البحث العلمي وترسيخ العدالة المجالية، إلى جانب تعزيز مكانة الأستاذ الباحث عبر مراجعة الأنظمة الأساسية وتحفيز المسار المهني، مع الإشارة في المقابل إلى استمرار تحديات مرتبطة بالعزوف عن الجامعة، وبطء استكمال النصوص التنظيمية، والحاجة إلى تسريع التحول الرقمي.
من جهته، تناول الأستاذ محمد الرهج موضوع البحث العلمي، مبرزاً أن الجامعة المغربية ظلت لفترة طويلة تركز على التكوين في سياق استجابة لحاجيات إدارية وتنموية، غير أن التحولات الراهنة تفرض إعادة تموقع البحث العلمي كرافعة أساسية للتنمية.
ودعا في هذا السياق إلى تعزيز ربط الجامعة بالمقاولة، من خلال آليات مبتكرة كـ“الائتمان الضريبي” لتحفيز الاستثمار في البحث العلمي، مستحضراً تجارب دولية ناجحة ساهمت في تقوية الابتكار وتخفيف كلفة البحث والتطوير.
أما الأستاذ محمد شباظة، فقد توقف عند الدور التربوي والاجتماعي للجامعة، مؤكداً أنها فضاء لصناعة الإنسان وترسيخ القيم وبناء التماسك الاجتماعي، وليس فقط مؤسسة لنقل المعرفة.
ودعا إلى تعزيز الوظيفة التربوية للجامعة عبر إدماج قيم المواطنة، وتطوير الأنشطة الثقافية والرياضية، وتقوية دور الأستاذ كفاعل تربوي، مع مواكبة التحديات المرتبطة بالتحولات الرقمية والعولمة وما تفرضه من إعادة النظر في الأدوار البيداغوجية للجامعة.
وفي السياق نفسه، شدد الأستاذ محمد القباج على أن إصلاح التعليم العالي يظل مرتبطا بتطوير نموذج الحكامة والانتقال نحو تدبير قائم على النتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره مدخلا أساسيا لتعزيز نجاعة المنظومة الجامعية.
كما أكد أن مستقبل الجامعة المغربية يمر عبر تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لمواكبة الارتفاع المرتقب في أعداد الطلبة، وتحسين ملاءمة التكوينات مع حاجيات سوق الشغل، بما يضمن تحويل التحديات الديمغرافية إلى فرص للتنمية والابتكار.
واختُتمت أشغال هذه الجلسة العلمية بالتأكيد على أن إصلاح التعليم العالي يشكل ورشا استراتيجيا متكاملا، يقوم على التكامل بين التشريع والحكامة الجيدة والبحث العلمي وتثمين الرأسمال البشري، بما يعزز مكانة الجامعة كفاعل أساسي في التنمية وبناء مستقبل المملكة.




