وضع ياسين عكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، البرنامج الحكومي الجديد أمام مساءلة سياسية شملت طبيعة الاختيارات المعلنة، ومدى الوفاء بالوعود الانتخابية، فضلاً عن عدد من القضايا الاستراتيجية والاجتماعية التي اعتبر أنها لم تحظ بالمكانة اللازمة ضمن أولويات الحكومة، مؤكداً أن دور المعارضة لا يقتصر على تقييم ما تعلنه الحكومة من التزامات، بل يمتد إلى مساءلة ما يغيب عن تصورها من رهانات وانتظارات مجتمعية.
وخلال مناقشة التصريح الحكومي بمجلس النواب، شدد عكاشة على أن التجمع الوطني للأحرار اختار ممارسة معارضة مسؤولة تقوم على النقد والمساءلة وإثارة القضايا التي تهم المواطنين، مبرزاً أن انتقال الحزب إلى المعارضة لا يعني التخلي عن الدفاع عن استمرارية الإصلاحات الكبرى، وإنما يقتضي مواكبة العمل الحكومي وتقييم اختياراته، والمطالبة بتوضيح الالتزامات وربطها بنتائج قابلة للقياس.
وفي هذا السياق، توقف رئيس فريق الأحرار عند التناقض الذي رآه بين الوعود الانتخابية المتعلقة بتغيير المسار ومضامين البرنامج الحكومي التي تواصل، بحسبه، عدداً من الأوراش والاختيارات السابقة، معتبراً أن استمرارية الدولة تظل ضرورة، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية تقديم قيمة مضافة واضحة. كما ذكّر بالمؤشرات الاقتصادية التي خلفتها التجربة الحكومية السابقة، ومن بينها تراجع التضخم إلى أقل من 1 في المائة، وبلوغ النمو الاقتصادي 4.6 في المائة، وانخفاض عجز الميزانية إلى 3 في المائة، داعياً إلى تحصين هذه المكتسبات والبناء عليها في مواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية.
وسجل عكاشة، في معرض تقييمه للبرنامج الحكومي، أن الرؤية الحكومية ينبغي أن تتجاوز تجميع البرامج القطاعية وإعادة عرض الأهداف الاستراتيجية الوطنية، لتقدم اختيارات سياسية واضحة، والتزامات محددة زمنياً، ومؤشرات دقيقة لتقييم الأداء. كما أثار ملاحظات بشأن منهجية إعداد البرنامج، وتمثيلية النساء في التركيبة الحكومية، وغياب منظومة متكاملة لتقييم النتائج، فضلاً عن ضرورة التمييز بين إعلان الالتزامات والتنفيذ الفعلي لها.
وفي ما يتعلق بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، تساءل رئيس فريق الأحرار عن عدم تخصيص محور مستقل للجهوية المتقدمة في البرنامج الحكومي، بالنظر إلى دورها الاستراتيجي في تحقيق التنمية المندمجة والعدالة المجالية وتطوير هندسة الدولة على المستويات الترابية والتدبيرية. كما انتقد ما اعتبره معالجة سطحية لورش اللاتمركز الإداري، داعياً إلى رؤية إصلاحية متكاملة تواكب متطلبات تحديث الإدارة العمومية وتعزيز فعالية تدخلها على المستوى الترابي.
وبشأن محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، رحب عكاشة بالالتزامات المعلنة في هذا المجال باعتبارها مدخلاً لتخليق الحياة العامة وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنه أثار ما وصفه بالتباين بين ما ورد في التصريح الحكومي وما تضمنته وثيقة البرنامج بشأن تجريم الإثراء غير المشروع، مطالباً بوضوح أكبر في صياغة الالتزامات وضمان اتساق الخطاب الحكومي مع الوثائق الرسمية.
وعلى مستوى قضايا الشباب والتشغيل، نبه رئيس فريق الأحرار إلى ما اعتبره تراجعاً في مستوى الالتزامات مقارنة بالوعود الانتخابية، مشيراً إلى أن أهداف إحداث مليون منصب شغل صافٍ وخفض البطالة إلى 7 في المائة في أفق سنة 2031 لم ترد، بحسب قراءته، في التصريح الحكومي بالصورة نفسها التي قدمت بها خلال المرحلة الانتخابية. وانتقد الاكتفاء بالإعلان عن برامج للتكوين والتجربة المهنية دون تحديد التزامات واضحة بشأن إحداث فرص شغل صافية ولائقة، مشدداً على أن التكوين، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يعوض الالتزام بنتائج ملموسة في مجال التشغيل.
كما أثار عكاشة مسألة الإعلان مجدداً عن إعداد استراتيجية وطنية مندمجة للشباب، رغم الدعوات الملكية السابقة إلى بلورة سياسة متكاملة لهذه الفئة، معتبراً أن الشباب يستحقون مكانة أكثر وضوحاً في السياسات العمومية، بالنظر إلى التحديات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتوسيع فرص المشاركة والتنمية.
وفي الجزء الثاني من مداخلته، انتقل رئيس فريق الأحرار إلى ما وصفه بالقضايا الغائبة عن البرنامج الحكومي، معتبراً أن تقييم أي برنامج لا ينبغي أن يقتصر على ما يتضمنه من وعود، بل يجب أن يشمل أيضاً ما أغفله من ملفات استراتيجية وانتظارات مجتمعية راهنة ومستقبلية.
وفي مقدمة هذه الملفات، وضع الجالية المغربية بالخارج، باعتبارها رافعة مهمة للاقتصاد الوطني، مستحضراً أن عدد مغاربة العالم يناهز ستة ملايين شخص، وأن تحويلاتهم المالية بلغت 122 مليار درهم سنة 2025، وهو ما يستدعي، بحسبه، رؤية أكثر وضوحاً بشأن سبل تعزيز مساهمتهم في التنمية الوطنية وتطوير آليات مواكبتهم.
كما دعا إلى إيلاء عناية أكبر للأشخاص في وضعية إعاقة، مستحضراً معطيات إحصاء سنة 2024 التي تشير إلى أن عددهم يبلغ نحو 1.73 مليون مواطن، بما يمثل 4.8 في المائة من السكان، ومشدداً على ضرورة بلورة سياسات متكاملة للإدماج التعليمي والمهني والاقتصادي وضمان تكافؤ الفرص.
وشملت القضايا التي أثارها أيضاً الاقتصاد غير المهيكل، الذي يشغل، وفق المعطيات التي استند إليها في مداخلته، نحو 2.53 مليون شخص، ويحقق رقم معاملات سنوياً يناهز 526.9 مليار درهم، معتبراً أن حجم هذا النشاط وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية يفرضان تصوراً واضحاً لمعالجته وتعزيز إدماج العاملين فيه ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة.
وفي مجال تدبير الأزمات، استحضر عكاشة تجربة برنامج إعادة البناء والتأهيل عقب زلزال الحوز، الذي خصصت له الحكومة السابقة 120 مليار درهم على خمس سنوات، داعياً إلى عدم إغفال المخاطر المرتبطة بالأزمات الدولية والكوارث الطبيعية، وإلى تطوير منظومة وطنية للاستباق والوقاية والإنذار المبكر وتدبير المخاطر، بما يعزز قدرة الدولة على حماية التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.
كما لفت إلى أهمية اقتصاد الرعاية في ظل التحولات الديمغرافية وارتفاع احتياجات الأسر إلى خدمات رعاية الأطفال والمسنين والأشخاص فاقدي الاستقلالية، داعياً إلى تثمين هذا المجال وتطوير الخدمات والمهن المرتبطة به. وتوقف كذلك عند المناطق الجبلية التي تمثل نحو 26 في المائة من التراب الوطني، معتبراً أن خصوصياتها المجالية والاجتماعية تستدعي سياسة متكاملة لمعالجة العزلة والهشاشة وتثمين الموارد المائية والغابوية والفلاحية والسياحية.
واعتبر رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار أن هذه الملفات تتجاوز مجرد نواقص في العرض الحكومي، لارتباطها بقدرة السياسات العمومية على استباق التحولات وحماية التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. وشدد على أن مسؤولية الحكومة لا تنحصر في تنفيذ البرامج التي تعلن عنها، بل تشمل أيضاً الاستعداد للتحديات التي تتشكل خارج نطاق تلك البرامج، قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
ومن موقع المعارضة، يضع فريق التجمع الوطني للأحرار هذه القضايا ضمن أولويات المساءلة البرلمانية، داعياً إلى وضوح أكبر في الاختيارات الحكومية، وإلى التزامات محددة قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يتيح التمييز بين الوعود المعلنة والنتائج المحققة، ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في خدمة انتظارات المواطنات والمواطنين.


