في الوقت الذي بدأت فيه ملامح الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تتشكل حول سؤال الحصيلة والبرامج والقدرة على إقناع المغاربة، يضع حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، بحسب ما كشف عنه المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، أمام سؤال سياسي وأخلاقي من نوع آخر: لماذا البحث عن مرشحي الأحزاب المنافسة عوض تقديم مشروع سياسي قادر على منافستها؟
هذا السؤال بات أكثر إلحاحا بعدما سجل المكتب السياسي للأحرار تواتر محاولات استمالة عدد من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته الترابية خلال الأسابيع الأخيرة، في ممارسات تجاوزت حدود الحركة السياسية الطبيعية، وأصبحت تعكس توجها يستهدف بنياته وأسماء سبق أن أعلن ترشيح بعضها للاستحقاقات المقبلة.
ولم يعد الأمر، وفق المعطيات التي عرضها المكتب السياسي، يتعلق بحالات متفرقة يمكن إدراجها ضمن انتقالات سياسية فردية، بعدما أورد الحزب أسماء عبد الحي حرطون، ومحمد الجماني، وزينب السيمو، وعثمان بادل، ومنال بادل، وبشرى الوردي، وعبد الحفيظ المكوتي، وعبد القادر الحضوري، فضلا عن حديثه عن وصول محاولات الاستمالة إلى عضو بمكتبه السياسي.
وإذا كان انتقال الأشخاص بين الأحزاب ظاهرة عرفتها الحياة السياسية المغربية في مراحل مختلفة، فإن ما يثير استغراب الأحرار هذه المرة هو تواتر الحالات وتقارب الأساليب وتزامنها مع اقتراب الاستحقاقات، بما يطرح، من وجهة نظره، سؤالا حول ما إذا كان التنافس يراد له أن يبقى تنافسا بين مشاريع سياسية، أم أن يتحول إلى سباق لاستقطاب الأسماء الجاهزة من تنظيمات أخرى.
فالناخب لا ينتظر من الأحزاب أن تقدم له “ميركاتو” سياسيا للمرشحين، وإنما ينتظر أن يعرف ماذا تقترح لتحسين قدرته الشرائية، وكيف ستخلق فرص الشغل، وما رؤيتها للصحة والتعليم والاستثمار والتنمية الترابية، وما البديل الذي تحمله للسنوات المقبلة.
ومن هنا تبدو المفارقة أكثر وضوحا: التجمع الوطني للأحرار اختار عرض حصيلته أمام المواطنين، وأطلق برنامجه “كرامة وفرص للجميع”، ويواصل لقاءاته الميدانية للدفاع عن اختياراته وتقديم أجوبته للمرحلة المقبلة؛ وفي المقابل، يقوم الأصالة والمعاصرة باختيار طريق آخر عنوانه استهداف أسماء تنتمي إلى منافسه السياسي.
والمشكلة هنا ليست في أن ينافس حزب حزباً آخر بقوة، فالتنافس جوهر الديمقراطية، ولا في أن يسعى أي تنظيم إلى تصدر الانتخابات، فهذا حق مشروع للجميع. المشكلة تبدأ عندما يصبح بناء القوة الانتخابية قائما، على إضعاف المنافس تنظيميا واستقطاب منتخبيه بدلا من هزيمته سياسيا بالأفكار.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الممارسات تأتي في وقت شاركت فيه الأحزاب في مسار تشاوري انتهى إلى التأكيد على النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وتخليق العملية الانتخابية. فلا معنى للتوافق على قواعد المنافسة في الاجتماعات، ثم التصرف بمنطق آخر عند النزول إلى الميدان.
المغاربة هم من سيحسمون في النهاية هوية الحزب الأول ومن يستحق قيادة المرحلة المقبلة. ولا يمكن لأي حزب أن يستبق إرادتهم عبر صناعة صورة انتصار قبل فتح صناديق الاقتراع، أو أن يتصرف كما لو أن الخريطة السياسية حُسمت سلفا.
ولهذا يضع التجمع الوطني للأحرار الأصالة والمعاصرة أمام امتحان بسيط وواضح: ليقدم برنامجه، وليدافع عن حصيلته، وليعرض مرشحيه، وليقارع منافسيه بالأفكار والمشاريع، ثم ليترك للمغاربة حرية الاختيار.
أما تحويل الاستحقاقات إلى سباق لاستقطاب مرشحي الآخرين، فلن يصنع تنافسا ديمقراطيا أقوى، بل يهدد بإعادة السياسة إلى ممارسات يفترض أن التجربة الديمقراطية المغربية تجاوزتها منذ زمن.




