أكد أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن تحسين جودة الخدمات الصحية بالمستشفيات العمومية يندرج ضمن إصلاح وطني عميق للمنظومة الصحية، انطلق منذ سنة 2021، ويهدف إلى معالجة اختلالات تراكمت على مدى سنوات، وتمكين المواطنات والمواطنين من خدمات صحية عمومية ذات جودة، قائمة على القرب والإنصاف والنجاعة.
وأوضح الوزير أن هذا الإصلاح يقوم على رؤية شمولية تمس البنيات التحتية، والموارد البشرية، والحكامة، والتدخلات الاستعجالية ذات الأثر المباشر، بما يسمح بإعادة الثقة في المرفق الصحي العمومي، وجعله فضاءً للعلاج الكريم في جميع جهات المملكة.
تعزيز العرض الصحي والبنيات الاستشفائية
في هذا الإطار، أبرز التهراوي أن الوزارة أطلقت منذ سنة 2021 برامج استثمارية كبرى لتعزيز العرض الصحي، همّت إنجاز 21 مشروعاً استشفائياً جديداً بين سنتي 2022 و2025، بطاقة إضافية تناهز 2433 سريراً، إلى جانب 24 مشروعاً قيد الإنجاز بين 2025 و2026 بطاقة 2273 سريراً، وبرمجة 20 مشروعاً إضافياً في أفق 2027 بطاقة 2430 سريراً. كما تم إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل أكثر من 1400 مركز صحي للقرب.
وقد مكنت هذه المشاريع، حسب الوزير، من تقليص تنقل المرضى نحو المدن الكبرى، وتخفيف الضغط عن المستشفيات الجهوية والجامعية، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج. كما تم تجهيز أكثر من 100 وحدة طبية متنقلة ومتصلة، لتقريب الخدمات الصحية من ساكنة المناطق القروية والنائية.
الموارد البشرية: قلب الإصلاح الصحي
وشدد التهراوي على أن تحسين الخدمات الاستشفائية يمر حتماً عبر معالجة إشكالية الموارد البشرية، التي شكلت لعقود أحد أبرز أعطاب المنظومة الصحية. ولهذا، يرتكز الإصلاح على ثلاثية واضحة تشمل التكوين، والتوظيف، والتحفيز.
فعلى مستوى التكوين، تم إحداث أربع كليات جديدة للطب والصيدلة، ليرتفع العدد إلى تسع كليات وطنياً، مع رفع الطاقة الاستيعابية من 2700 طالب سنة 2021 إلى 6500 طالب سنة 2025، إضافة إلى رفع عدد مقاعد معاهد التمريض إلى 9500 مقعد. أما على مستوى التوظيف، فقد ارتفع عدد الأطر الصحية من 45 ألفاً سنة 2019 إلى أزيد من 59 ألفاً سنة 2025، مع تسوية وضعية تعيين الأطباء المتخصصين وتطور عدد الممرضين وتقنيي الصحة بنسبة 50 في المائة.
وفي جانب التحفيز، أشار الوزير إلى زيادات غير مسبوقة في الأجور تراوحت بين 12 و58 في المائة، ورفع تعويضات الأخطار المهنية، إلى جانب اعتماد آليات صارمة للمراقبة والانضباط لضمان الحضور الفعلي وجودة الأداء داخل المؤسسات الصحية.
تدخلات استعجالية لتحسين الخدمات
وإلى جانب الإصلاح البنيوي، أبرز التهراوي أن الوزارة أطلقت المخطط الاستعجالي لدعم المنظومة الصحية (PRS)، بهدف إحداث أثر ملموس وسريع داخل المستشفيات العمومية، من خلال تأهيل مصالح المستعجلات، وتعزيز توفر الأدوية والمستلزمات الطبية، وإعادة هيكلة خدمات الإسعاف والتكفل ما قبل الاستشفائي، وتطوير منصة “Chikaya Santé” للتفاعل المباشر مع المواطنين، فضلاً عن تفعيل تتبع وفيات الأمهات عبر منصة معلوماتية آمنة.
وأكد أن هذه الإجراءات بدأت تعطي نتائج أولية ملموسة، ومن المرتقب أن تتعزز آثارها خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع استكمال باقي أوراش الإصلاح.
مستشفيات جامعية حديثة وعدالة ترابية
وفي سياق متصل، استعرض وزير الصحة وضعية مشاريع بناء وتجهيز المراكز الاستشفائية الجامعية الحديثة، باعتبارها مؤسسات مرجعية للعلاج المتخصص والتكوين والبحث العلمي. وأشار إلى افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير في نونبر 2025، بطاقة 867 سريراً، واقتراب استكمال مشاريع كبرى بكل من العيون، والرباط، وكلميم، والراشيدية، وبني ملال، في أفق يمتد إلى سنة 2027، بما سيمكن من تقوية العرض الصحي الجامعي وتخفيف الضغط عن المراكز الحالية.
العالم القروي وصحة النساء والأطفال
وأكد التهراوي على أن تأهيل مستوصفات العالم القروي وتعزيز صحة النساء والأطفال يشكلان أولوية وطنية. فقد تم إنجاز أو بلوغ مراحل متقدمة لتأهيل أزيد من 1200 مركز صحي، أغلبها بالعالم القروي، مع تجهيزها بالمعدات الأساسية وتحسين ظروف الاستقبال. كما تم تعزيز خدمات التوليد وتتبع الحمل، وإطلاق منصة وطنية لتتبع وفيات الأمهات، وتكثيف القوافل الطبية والوحدات المتنقلة لتجاوز إكراهات البعد الجغرافي.
وشدد الوزير على أن هذا الإصلاح، رغم حاجته إلى الوقت، بدأ يظهر أثره على أرض الواقع، مجدداً التزام الوزارة بمواصلة هذا الورش الاستراتيجي، بما يضمن الحق في الصحة ويكرس العدالة المجالية لفائدة جميع المواطنات والمواطنين.




