قال راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، خلال افتتاح أشغال المنتدى الثاني لرؤساء لجان الشؤون الخارجية بالبرلمانات الإفريقية المنظم تحت شعار: “نحو وضع أسس دائمة للاستقرار والأمن في إفريقيا”، إن إفريقيا تحتاج إلى المرور إلى العمل والسرعة القصوى في الإنجاز لمواجهة مختلف التحديات.
في هذا الصدد، قال الطالبي العلمي: “يؤسفنا أن تكون التحديات التي تواجه قارتنا، وأزماتها، هي نفسها المطروحة منذ سنوات، على الرغم مما تُحققه على أكثر من صعيد، خاصة في المجال المؤسساتي والاقتصادي، وهو ما يبعث على الأمل في أن النهضة الإفريقية قابلةٌ للتَّحَقُّقِ إذا نحن عرفنَا كيف نَتَوَّحَدُ ونتجاوزُ عوامل الكَبْحِ”
ومن مؤشراتِ هذا الأمل، يضيف رئيس مجلس النواب، أنه على الرغم من الظروف الموضوعية، والسياق الدولي غير الملائم، فإن إفريقيا ستحقق معدلَ نمو يقدر بـ 4.3% عام 2025، مقابل 3.7% خلال سنة 2024، وأن 24 دولة إفريقية سيتجاوز معدل النمو بها 5%.، مضيفا أنه على الرغم من كل ما تحقق، هناك تحديات كبرى تواجِهُهَا القارة.
وتابع “ولَئِنْ كانت هذه التحدياتُ معروفةً، فإنه ينبغي إعادةُ التذكيرِ بها بغَايَتَيْنِ أساسيتين : تتمثلُ الأولى في توحيد الرؤية إزاء المعضلات التي نواجهها، وتتمثل الغاية الثانية في بناء وعي تاريخي إفريقي جديد مُتَوَجِّه إلى المستقبل، على أساس إدراك صعوبات وإكراهات الحاضر”.
في مقدمة هذه التحديات، يضيف الطالبي العلمي، عودة تناسل النزاعات، الداخلية أساسًا، في بعض بلدان القارة ؛ مردفا “إذ بعد نجاح قارتنا في تجاوز الكُلْفة السياسية والاستراتيجية للحرب الباردة، التي لم تكن حربها، وإنجازِ العديد من الانتقالات السياسية مقرونةً ببناء مؤسساتيٍ واعدٍ، عادتِ النزاعاتُ في بعض الحالات، لتجثُم على الأوضاع في بعض البلدان، ويتغذى هذا التحدي، ويُغذي أحيانا، نَزَعَاتِ الانفصال ومحاولات تقويض الوحدة الترابية للدول وسيادتها”.
وأشار إلى أن “هذين التحديين يلتقيانِ أحيانا، ويتواطئان في أحيان أخرى، مع ظاهرة الإرهاب المقيت والتطرف العنيف، مما يُقَوِضُ الاستقرار في عدد من المناطق. ولا يكتفي الإرهاب والانفصال بإيذاء الناس وترويعهم وتهجيرهم، بل يسعيان إلى تَقْوِيضِ الاستقرار ونشر الفوضى، وتعميم حالة اللادولة والتمدد خارج سياقهما الجغرافي، ووضع اليد على المقدرات الطبيعية للأمم”.
وأبرز كذلك أن القارة الإفريقية تصطدم في طموحها إلى الصعود الاقتصادي، بتحدي انعكاسات الاختلالات التي تكلفُ إفريقيا كثيرا جراء الجفاف، والتصحر، وانجراف التربة أحيانا، والفيضانات في أحيان أخرى، في الوقت الذي، لم، ولا تستفيد من ثمار التصنيع، والتراكم التاريخي الناجم عنه، مضيفا ان هذه الأوضاع تُنْتِجُ تحديات جديدة، منها الفقر والنقص في الغذاء، والتبعية الغذائية والهجرات، والنزوح واللجوء، وحالاتِ إحباطٍ ويأسٍ لا تُسْعِفُ في بناءِ الثقة، في المؤسسات الوطنية، والتي تجتهدُ النخبُ الإفريقية لترسيخِها.
في المقابل، قال الطالبي العلمي ” لا ينبغي لهذه الصورة أن تَحْجُبَ عنا علاماتِ النجاح، وحالاتِ البناء المؤسساتي القاري والجهوي، وقدرةَ العديد من البلدان الإفريقية على تحقيق انتقالات ديموقراطية حقيقية، بكل استقلالية، وبالاعتماد على الذات، وعلى مشاركة مواطنيها وتعبئتهم”.
“ولا ينبغي للتحديات، يضيف مهما كانت أن تترك الإحباط يتسرب إلى الهِمَمِ الإفريقية. فقد كانت إفريقيا دائما أرض التحديات، وكان الإنسان الإفريقي الصبور، والمُعَانِد، ينتهي بربح الرهانات. فقد انتصر على الاستعمار، واستعادت البلدان الإفريقية استقلالاتها الوطنية، وتَيَسَّر لها بناءُ الدولةِ الوطنية بقيادة زعماءَ وطنيينَ كبار من قبيل جلالة المغفور له الملك محمد الخامس ومعه جلالة المغفور له الحسن الثاني، والرؤساء ليوبول سيدار سنغور، وهوفييت بوانيي، وأحمد سيكوتوري، وكوامي نيكروما، وباتريس لومومبا، وغيرهم من القادة الحكماء”، يضيف الطالبي العلمي.
وأضاف أنه بهذه الروح يواصل الجيل الجديد من القادة الأفارقة، ومن النخب الإفريقية المؤمنة والملتزمة بقضايا قارتها وبلدانها، وأنتن وأنتم جزء منها، معركةَ التنمية وترسيخ الديمقراطية.
وأشار إلى أن إفريقيا تتوفر على كافة الإمكانيات والثروات التي تؤهلها لتحقيق انعطافةٍ تاريخيةٍ في التنميةِ والازدهارِ والتموقعِ الاستراتيجي ؛ وإلا فلماذا هي اليوم في صلب تنافس دولي كبيرن مذكرا في هذا الصدد بعنصر التكامل في الموارد وبين اقتصادات بلدانها، إلى جانب مواردها البشرية الشابة، وكفاءاتها التي تحقق نجاحات كبرى في بلاد المهجر، فضلا عن أراضيها الخصبة القابلة للزراعة التي يمكنها توفير الغذاء لسكان القارة ولجزء كبير من سكان العالم.
وتابع “مما يزيد من قيمة هاتين الرافعتين وجود إفريقيا بين محيطين كبيرين وبحرين وتوفرها على ممرات بحرية استراتيجية، ما يمنحها إمكانيات بحرية هائلة لإقامة التجهيزات الأساسية المينائية التي هي اليوم شِرْيَانُ المبادلات الدولية، والبنيات السياحية الجاذبة لرؤوس الأموال والسياح، فضلا عما تغتني به البحار من مصادر غذاء استراتيجية”.
ومن حسن حظ قارتنا، أنها تتوفر أيضا على المعادن الاستراتيجية التي تتنافس عليها اليوم الصناعات والتكنولوجيات المعاصرة، فضلا عن المعادن والطاقات التقليدية والإمكانيات الكبرى لإنتاج الطاقة من مصادر متجددة، مضيفا تشهد القارة العديد من الديناميات، الاقتصادية والسياسية، ومنها الدور المتزايد للاتحاد الافريقي، كإطار للعمل الافريقي المشترك، ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والتكتلات الاقتصادية الجهوية الإفريقية التي تعتبر إطارًا للتعاون والمبادلات الاقتصادية، مع استثناء واحد في شمال القارة مع كامل الأسف.
وأشار إلى أن هناك مبادرات أخرى واعدة واستراتيجية مطروحة على الأرض، ومنها مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية، إلى جانب مبادرة تمكين بلدان الساحل الافريقية من الولوج إلى المحيط الأطلسي اللذين أطلقهما صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهما يتكاملان مع مشروع أنبوب الغاز-نيجيريا-المغرب أوروبا، مرورا بـ 13 بلدًا إفريقيا.
وأكد أن مواجهة التحديات وربح الرهانات تحتاج إلى تفعيل الإرادة السياسية المشتركة، وتحويل الطموح إلى سياسات ومشاريع ومنجزات، مضيفا “وكما قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله منذ عشر سنوات بالضبط فإن “إفريقيا قارة كبيرة بقواها الحية، وبمواردها وإمكاناتها الذاتية، ذلك أنها لم تعد قارة مستعمرة. لذا فإفريقيا مطالبة اليوم بأن تضع ثقتها في إفريقيا”. (انتهى النطق الملكي)”.
وزاد قائلا، أن الثقة، “هي ثقة في الذات، وفي الامكانيات وفي القدرة على الإنجاز، وثقة بين مكونات القارة الواحدة، وثقة في المستقبل الذي ينبغي أن نبنيه معًا لنكونَ مؤثرينَ في القرار الدولي، ولكي نكونَ مؤثرينَ ينبغي أن نكونَ مبادرينَ، أقوياءَ، متمكنينَ وآخذين لمصيرنا بأيدينا”.