قال المصطفى الدحماني، المستشار البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إن مشروع قانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية يشكل محطة تشريعية مفصلية في مسار إصلاح منظومة العدالة، ويجسد حرص السلطتين التشريعية والتنفيذية على احترام الدستور وتنزيل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى بناء قضاء ناجع وعادل يضمن حقوق المتقاضين ويكرس الأمن القانوني.
وأوضح الدحماني، خلال مداخلته في إطار المناقشة العامة للمشروع، أن العودة إلى مناقشة هذا النص تأتي بعد قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم مطابقة بعض مقتضيات الصيغة السابقة للدستور، وهو ما استدعى إعدام المسطرة التشريعية السابقة برمتها، وإعادة تقديم المشروع بصيغة جديدة وترقيم جديد، باعتباره مشروعا تشريعيا مستقلا لا علاقة له بالنص السابق. واعتبر أن هذا المسار يعكس وعيا مؤسساتيا متقدما بأهمية المراقبة الدستورية القبلية كآلية لضمان سمو الدستور وسلامة التشريع.
وفي مستهل مداخلته، توقف الدحماني عند السياق العام الذي تعرفه البلاد، معربا عن شكره لله تعالى على التساقطات المطرية الأخيرة، وموجها تحية خاصة لكافة المتدخلين في حماية المواطنين وممتلكاتهم من مخاطر الفيضانات، قبل أن ينتقل إلى تحليل مضامين قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 الصادر بتاريخ 4 غشت 2025، والذي شكل، بحسبه، مرجعا دستوريا أساسيا في إعادة صياغة مشروع المسطرة المدنية.
وأكد المتحدث أن المحكمة الدستورية، من خلال هذا القرار، أرست مجموعة من القواعد التي يتعين على المشرع الالتزام بها عند ترتيب الآثار القانونية للتصريح بعدم دستورية بعض مقتضيات القوانين المعروضة على المراقبة القبلية، مشيرا إلى أن عدم فصل المواد غير الدستورية عن باقي النص حال دون إصدار الأمر بتنفيذه، وأسقط جميع الإجراءات التشريعية السابقة، ما فرض إعادة إطلاق المبادرة التشريعية من جديد وفق المسطرة الدستورية السليمة.
وتوقف الدحماني عند أبرز الملاحظات الدستورية التي سجلتها المحكمة، مبرزا أن المادة 17 كشفت عن إغفال تشريعي يتعلق بتحديد النطاق الإجرائي للدعاوى الخاضعة للمسطرة المدنية، بما يمس بمبدأ الأمن القضائي وحجية الأحكام النهائية، مع التأكيد في المقابل على مشروعية إسناد بعض الاختصاصات للنيابة العامة حماية للنظام العام. كما أشار إلى أن المادة 84، وما أحالت عليه من مقتضيات، مست بحقوق الدفاع ومبدأ الأمن القانوني، خاصة في ما يتعلق بالتبليغ والحضور عن بعد، وهو ما استوجب التنصيص الصريح على ضمانات القبول والتواصل الآمن وعلنية الجلسات وسرية المعطيات.
وفي السياق ذاته، أوضح أن المحكمة اعتبرت تحصين مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق من التعقيب، كما ورد في المادتين 107 و364، مساسا بمبدأ التواجهية وتكافؤ وسائل الدفاع، داعية إلى تعديلهما بما يضمن المساواة بين أطراف النزاع. كما سجلت وجود خطأ مادي في المادة 288 يستوجب التصحيح، ومخالفة دستورية في المادة 339 بسبب إقرارها استثناء غير مبرر من مبدأ تعليل الأحكام.
أما بخصوص المادتين 408 و410، فأبرز الدحماني أن المحكمة الدستورية شددت على مبدأ استقلال السلطة القضائية، ورفضت إسناد اختصاصات ذات طبيعة قضائية لوزير العدل، خاصة تلك المرتبطة بالإحالة بسبب تجاوز القضاة لسلطاتهم أو التشكك المشروع، مع السماح له فقط بتقديم طلبات الإحالة ذات الطابع الوقائي المرتبطة بالأمن العمومي. كما اعتبرت المحكمة أن تدبير النظام المعلوماتي لتوزيع القضايا يجب أن يظل من اختصاص السلطة القضائية حصرا، لما لذلك من صلة مباشرة بجوهر العمل القضائي.
واعتبر الدحماني أن هذه الملاحظات الدستورية، رغم صرامتها، تشكل مساهمة نوعية في تجويد النص القانوني وسد الثغرات التي شابت الصيغة السابقة، مؤكدا أن الصيغة الجديدة لمشروع المسطرة المدنية تهدف إلى استكمال الإصلاحات المتوافق بشأنها، وترسيخ حقوق الدفاع، وضمان علنية الجلسات، وتعليل الأحكام، واحترام الآجال المعقولة، مع التأكيد على الإلزامية المطلقة للأحكام القضائية النهائية.
وفي ختام مداخلته، دعا المستشار البرلماني إلى اعتماد مقاربة تشاركية متوازنة في استكمال مناقشة المشروع، مع التنبيه إلى بعض المستجدات المقلقة المرتبطة بالقوانين المنظمة للمهن القضائية، وعلى رأسها مهنة المحاماة ومهن العدالة، مطالبا بإحياء ثقافة الحوار الهادئ والإنصات المتبادل انسجاما مع مبادئ الديمقراطية التشاركية التي يكرسها الدستور.
كما شدد على أهمية إعادة عرض مشروع قانون المسطرة المدنية على المحكمة الدستورية بعد استكمال مسطرته التشريعية، ضمانا للسلامة الدستورية الشاملة، خاصة وأن المحكمة، في قرارها السابق، لم تفحص جميع مواد النص فحصا كاملا. وخلص إلى أن إصدار قانون خال من العيوب الدستورية ومنسجم مع روح ومقتضيات دستور المملكة يشكل مدخلا أساسيا لتعزيز الثقة في القضاء وتكريس دولة الحق والقانون.




