أكد محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، أن مشروع قانون رقم 59.24 المنظم للتعليم العالي لا يندرج في خانة الإصلاحات القطاعية الظرفية، بل يشكل لبنة مركزية في بناء نموذج تنموي قائم على المعرفة والابتكار، وقاطرة أساسية للصعود الحضاري والاقتصادي للمملكة.
جاء ذلك في مداخلته باسم فريق التجمع الوطني للأحرار خلال الجلسة العامة المخصصة لمناقشة مشروع القانون، كما وافقت عليه لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية، حيث استهل كلمته بالتنويه بالأجواء الإيجابية التي طبعت مسار مناقشة النص، وبالعمل الجاد الذي انكبت عليه اللجنة عبر اجتماعات ماراطونية عكست روح المسؤولية والتعاون المؤسساتي.
وسجل البكوري باعتزاز قبول الحكومة لـ19 تعديلاً تقدمت بها مختلف مكونات مجلس المستشارين، معتبراً ذلك دليلاً واضحاً على نضج العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتجسيداً فعلياً لمنطق التوازن والتكامل في تنزيل الإصلاحات الكبرى.
وأوضح رئيس فريق الأحرار أن مشروع القانون 59.24 يندرج ضمن استكمال المنظومة التشريعية التي أرساها دستور 2011 في مجال التربية والتكوين، ويأتي منسجماً مع مقتضيات القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، مبرزاً أن النص الجديد يشكل تحديثاً عميقاً للإطار القانوني المؤطر للتعليم العالي المعمول به منذ صدور القانون 01.00 مطلع الألفية.
وأبرز المتحدث أن هذا المشروع ثمرة مسار طويل من النقاش العمومي والتشاور المؤسساتي، شارك فيه مختلف الفاعلين، من ضمنهم المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي أصدر عدة آراء بخصوص النسخ المتعاقبة للمشروع منذ سنة 2013، مشيداً بنجاح الحكومة الحالية في إخراج النص وإحالته على البرلمان بعد مسارات تشاورية معقدة وطويلة.
وسياقياً، شدد البكوري على أن المشروع يأتي في لحظة مفصلية تعرف فيها منظومة التعليم العالي بالمغرب تحولات بنيوية، تفرض مواكبة تشريعية تضمن تحسين الحكامة وتعزيز التطور المؤسساتي للجامعة المغربية، في ظل التوسع الكبير في خريطة المؤسسات الجامعية وتنامي عدد الطلبة، سواء في التعليم العالي المفتوح أو المحدد الولوج.
كما توقف عند الدينامية التي يعرفها القطاع، لاسيما من خلال تنامي حضور القطاع الخاص والمؤسسات الوقفية، وظهور جامعات خاصة وغير ربحية، مبرزاً كنموذج رائد تجربة جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، باعتبارها جامعة تابعة لمؤسسة غير ربحية حققت إشعاعاً علمياً وبحثياً لافتاً.
واستحضر رئيس فريق الأحرار النقاشات المجتمعية والبرلمانية المرتبطة بتعميم الجامعات على مختلف الجهات، والنهوض بالأنوية الجامعية، وتحسين تصنيف الجامعات المغربية في المؤشرات الدولية، مؤكداً أن الرهان لم يعد كمياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بجودة التكوين والبحث العلمي وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
وشدد البكوري على أن هذا المشروع لا يتعامل مع التعليم العالي كقطاع اجتماعي معزول، بل كرافعة استراتيجية لإنتاج المعرفة، معتبراً أن حسن تنزيل مقتضياته كفيل بوضع المغرب على سكة “براق اقتصاد المعرفة”، الذي يمثل اليوم ومستقبلاً أساس تنافسية الدول المتقدمة.
وفي هذا السياق، أبرز أهمية الإصلاحات المؤسساتية المرتبطة بتعزيز استقلالية الجامعات، وضبط العلاقات بين الدولة والوزارة من جهة، والمؤسسات الجامعية من جهة أخرى، مع ترسيخ آليات الحكامة الجيدة، والتعاقد، والنجاعة، والتقييم والتتبع، بما يضمن الشفافية والفعالية في تدبير السياسات العمومية للتعليم العالي والبحث العلمي.
كما نوه بالاهتمام الذي يوليه المشروع للتعاون الدولي، مؤكداً أن النهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي يمر حتماً عبر شراكات عابرة للحدود، وبرامج تبادل طلابي وأكاديمي، والانفتاح على التجارب الدولية الناجحة.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، سجل البكوري بإيجابية القواعد العامة التي تضمنها المشروع، خاصة ما يتعلق بالمكانة الخاصة لموظفي الجامعات العمومية، والدعوة إلى إخراج نظام أساسي خاص بهم، مشيداً بالمكتسبات التي وفرتها الحكومة لفائدة هيئة الأساتذة الباحثين، ومثمناً الانفتاح على صيغ جديدة للتدريس والبحث، من قبيل الأساتذة الفخريين، والأساتذة الزائرين، وباحثي ما بعد الدكتوراه.
ودعا في هذا الإطار إلى اعتماد أنظمة مرنة للتوظيف والتعاقد، خصوصاً لاستقطاب الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، ولو بشكل مؤقت، للإسهام في التدريس والتأطير ونقل الخبرات.
كما شجع على التوجه التدريجي نحو نقل اختصاصات تدبير الموارد البشرية من الإدارة المركزية إلى الجامعات، مستحضراً التجارب الرائدة في قطاعي التربية الوطنية والصحة، وداعياً إلى وضع إطار تنظيمي شفاف للحركية بين الجامعات، سواء بالنسبة للأساتذة الباحثين أو الأطر الإدارية.
وفي ختام مداخلته، دعا البكوري إلى تعزيز الجاذبية الخارجية للجامعات المغربية عبر تبسيط مساطر استقبال الطلبة الأجانب، معتبراً هذا الورش مجالاً للتنافس الإيجابي بين المؤسسات الجامعية، كما أثار ملف مؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعات، مؤكداً على ضرورة تقييم جدوى استمرار تبعيتها لقطاعات وزارية، وإمكانية إدماج عدد منها داخل الجامعات العمومية.
وجدد رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، باسم الفريق ومن موقعه داخل الأغلبية البرلمانية، التأكيد على الأهمية الاستراتيجية والراهنية لهذا المشروع، معلناً التصويت الإيجابي عليه، قناعةً بدوره المحوري في تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي ببلادنا.




