أكد محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، أن مناقشة مشروع قانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، كما وافق عليه مجلس النواب، تشكل محطة تشريعية وسياسية مفصلية في مسار إصلاح المنظومة التربوية ببلادنا، باعتبارها تمس أحد أهم الأوراش الوطنية ذات الصلة بمستقبل الأجيال الحالية واللاحقة، وبناء مغرب قادر على مواجهة تحديات العولمة والتنافسية.
وفي مداخلته خلال أشغال اللجنة البرلمانية، شدد البكوري على أن التعليم حق دستوري مكفول لجميع المغاربة دون استثناء، وأن إصلاح التعليم المدرسي ليس خياراً ظرفياً أو شعاراً سياسياً عابراً، بل رهان استراتيجي وسيادي يهدف إلى إعادة بناء المدرسة المغربية على أسس الجودة، والإنصاف، وتكافؤ الفرص، بما يجعلها أداة فعالة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورافعة أساسية لإعداد الرأسمال البشري المؤهل لقيادة مغرب المستقبل.
وأوضح رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار أن هذا المشروع يندرج ضمن رؤية حكومية شمولية تعتبر إصلاح التربية والتكوين جوهر السياسات العمومية، مؤكداً أن الحكومة الحالية جعلت من التعليم أحد أعمدة مشروعها الإصلاحي، وتعاملت معه بروح عالية من المسؤولية السياسية، عبر تنزيل برنامج طموح بأهداف واضحة، أفضى إلى إحداث تغييرات ملموسة داخل المنظومة التربوية.
وفي هذا السياق، نوه البكوري بالمنهجية التشاركية التي اعتمدها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة خلال إعداد مشروع القانون، مبرزاً أن إشراك مختلف الفاعلين والمتدخلين في منظومة التربية والتكوين شكل نقطة قوة حقيقية، تعكس وعياً بأهمية الإنصات والتشاور في تدبير قطاع استراتيجي وحساس كقطاع التعليم.
وأشار المتحدث إلى أن فلسفة مشروع القانون 59.21 تقوم على تعزيز المكتسبات المحققة، وتكريس إصلاح عميق وشامل للتعليم المدرسي، انسجاماً مع توجهات “الحكومة الاجتماعية” التي جعلت من المدرسة العمومية رافعة للعدالة الاجتماعية والمجالية، وأحد أهم الأوراش التي باشرتها منذ تنصيبها.
وأضاف أن المشروع يهدف إلى تحديد وظائف التعليم المدرسي وتوجهاته الكبرى، ومراجعة هيكلته سواء في القطاع العام أو الخاص، مع تحديد الأهداف المتوخاة من كل سلك تعليمي، إلى جانب وضع القواعد العامة للهندسة البيداغوجية واللغوية، وإرساء آليات جديدة للحكامة التربوية والإدارية، والارتقاء بالموارد البشرية، وتنويع مصادر التمويل بما يضمن الاستدامة والنجاعة.
وأكد البكوري أن مقتضيات المشروع تنص بوضوح على جعل التعليم المدرسي من المسؤوليات الأساسية للدولة، من خلال تحديد السياسات العمومية، وتنظيم القطاع وضبطه وتطويره، وفق مقاربة تشاركية، مع تكريس مبدأ التمدرس الإجباري لجميع الأطفال، ذكوراً وإناثاً، وتحسين شروط الولوج إلى التعليم، في أفق استشراف مدرسة مغربية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية للمغرب الصاعد.
واعتبر رئيس الفريق أن هذا المشروع يشكل إطاراً قانونياً موحداً ومنسجماً، يؤسس لمدرسة مغربية جديدة وحديثة، قادرة على الاستجابة لمختلف الرهانات الوطنية، مشيراً إلى أن ورش الإصلاح التربوي مكن من تنزيل نموذج بيداغوجي جديد، يقوم على توسيع العرض المدرسي وتحقيق العدالة المجالية، بما يضمن استفادة أبناء وبنات المغاربة من تعليم ذي جودة أينما تواجدوا.
وفي هذا الإطار، أبرز البكوري أهمية مشروع “مؤسسات الريادة” باعتباره مدخلاً أساسياً للإصلاح البيداغوجي، لما أبان عنه من نجاعة في تحسين التعلمات الأساسية وتقليص الفوارق التعليمية بين التلاميذ، عبر آليات الدعم المجاني داخل المؤسسات التعليمية. كما نوه بمبادرة “مدرسة المستقبل”، الهادفة إلى تحسين جودة التعليم والحد من الهدر المدرسي، خاصة في السلك الإعدادي، معتبراً أن هذه البرامج تجسد الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الفعل والإنجاز.
ورغم الإشادة بالحصيلة الإيجابية والمجهودات المبذولة، دعا البكوري إلى معالجة عدد من الإشكالات العالقة، في مقدمتها الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، وضبط ممارسات بعض مؤسسات التعليم الخصوصي، ومواصلة ترسيخ التعددية الثقافية واللغوية، خاصة تعميم تدريس الأمازيغية، فضلاً عن دعم التعليم بالعالم القروي والمناطق الجبلية، وتعميم التعليم الأولي لتحقيق تكافؤ الفرص.
وختم رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار مداخلته بالتأكيد على أن مشروع القانون 59.21 يشكل لبنة أساسية في النهوض بالمدرسة المغربية، باعتبارها مشتل إعداد الكفاءات والأطر القادرة على مواكبة الطموحات الريادية للمغرب، معلناً دعم فريقه، إلى جانب مكونات الأغلبية، لهذا المشروع والتصويت عليه بالإيجاب.




