قال عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، إن السياسة الحكومية في مجال الرياضة خلال السنوات الأخيرة قامت على رؤية شمولية تتجاوز منطق تشييد المنشآت الرياضية إلى تأهيل البنيات القائمة وتثمينها، بما يضمن نجاعة أكبر للمال العمومي واستدامة الأثر على المدى المتوسط والبعيد.
وأوضح أخنوش، اليوم الثلاثاء، خلال الجلسة الشهرية بمجلس المستشارين المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة حول موضوع “السياسات الحكومية في مجال الرياضة: المنجزات والرهانات”، أن التوجه القائم على الجمع بين البناء والتأهيل يعكس وعيا مؤسساتيا متقدما، مفاده أن الاستثمار في الرياضة لا يقاس فقط بعدد الملاعب المشيدة، بل بقدرتها على تحسين شروط الاستغلال، وإطالة عمرها الوظيفي، وتعزيز مردوديتها المجتمعية.
وأكد رئيس الحكومة أن تأهيل الملاعب الكبرى لم يكن هدفه فقط الاستجابة لدفاتر التحملات التقنية، بل شكل فرصة حقيقية لتحديث محيطها الحضري، وتحسين الولوجيات، وتعزيز الخدمات المرتبطة بها، ما جعل من هذه المنشآت روافع فعلية للتنمية المحلية، بدل أن تظل فضاءات رياضية معزولة عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي السياق ذاته، شدد أخنوش على أن الرهان الحقيقي للسياسة الرياضية لم يكن محصورا في تشييد البنيات أو رفع عدد البرامج والجمعيات، بل في جعل الرياضة ممارسة يومية ممكنة داخل مختلف المجالات الترابية، خصوصا تلك التي ظلت لسنوات تعاني من ضعف العرض العمومي ومحدودية فرص الإدماج.
واعتبر أن الحرمان من الممارسة الرياضية يكرس الفوارق المجالية والاجتماعية، في حين أن تقريب الرياضة من المواطن يجعلها أداة قوية لإعادة التوازن وتحقيق العدالة المجالية، وهو ما يفسر توجيه الاستثمار العمومي نحو ملاعب القرب والمراكز السوسيو-رياضية داخل الجماعات القروية والأحياء الحضرية ناقصة التجهيز.
وأبرز رئيس الحكومة أن هذه المنشآت، رغم بساطتها مقارنة بالبنيات الكبرى، أحدثت تحولا ملموسا في الحياة اليومية لآلاف الأطفال والشباب، من خلال توفير فضاءات آمنة، ومجانية في الغالب، للممارسة الرياضية، وأسهمت في خلق دينامية اجتماعية محلية، وتقليص مظاهر الفراغ والتهميش، خاصة في المناطق التي كانت تفتقر لأي بديل إيجابي.
وفي هذا الإطار، اعتبر أخنوش أن ملاعب القرب تشكل أحد أهم التحولات الهادئة في السياسة الرياضية الوطنية، ليس فقط من حيث عددها، بل بالنظر إلى طبيعة الدور الاجتماعي الذي تؤديه داخل المجال الترابي، موضحا أن إنجاز حوالي 800 ملعب قرب في فترة زمنية محدودة يعكس وعيا بأن الحق في ممارسة الرياضة يبدأ من القرب، ومن إزالة العوائق المادية والاجتماعية أمام الأطفال والشباب.
وأشار إلى أن ملعب القرب ليس فضاء للنخبة ولا يحتاج إلى اشتراك أو وساطة، بل هو مساحة مفتوحة تمارس فيها الرياضة بعفوية، وتبنى فيها علاقات اجتماعية، وتتعزز فيها الثقة داخل الحي أو القرية.
وأضاف أن التجربة أثبتت أن هذه الملاعب، حين تدمج في محيطها الاجتماعي، تتحول إلى فضاءات متعددة الوظائف، تجمع بين اللعب، والتأطير الجمعوي، والتنشئة على قيم الانضباط والعمل الجماعي، فضلا عن كونها امتدادا غير رسمي للرياضة المدرسية، بما يضمن استمرارية الممارسة خارج الزمن المدرسي.
وختم رئيس الحكومة بالتأكيد على أن الرهان المطروح اليوم يتمثل في تثبيت نموذج ناجع لتدبير ملاعب القرب، يضمن استمرارية الاستفادة ويحافظ على جودة هذه الفضاءات، مع تعزيز الربط بينها وبين المدرسة والجمعيات، في إطار مقاربة مندمجة تحول هذه البنيات من منشآت إسمنتية إلى أدوات فعلية للتربية والوقاية وبناء الرأسمال البشري المحلي، مشددا على أن ملاعب القرب أصبحت مكونا أساسيا من مكونات السياسة الاجتماعية للدولة.




